fbpx
افتتاحية

“كلكم فاسدون”

في أوج الجنون النازي نهاية الحرب العالمية الثانية، كان مساعدو أدولف هتلر، يُلقونَ بشخصين، أو ثلاثة في غرفة للغاز، ثم ينتظرون اختناقهم في أقل من ثلاث دقائق، وتُفتح الغرفة، وتُسحب الجثث للدفن.
أما ما وقع في قبو طنجة، فهو أفظع مئات المرات من جرائم “الهولوكوست”، إذ حُشر 46 عاملا وعاملة داخل مكان ضيق في عمق خمسة أمتار تحت سطح الأرض، وأُغلق عليهم بباب حديدي ضخم، وسُكبت عليهم عشرات الأمتار المكعبة من مياه الأمطار الملوثة بالواد الحار، ومعها “كيلووات” من الكهرباء الصاعق، وتُركوا لحال سبيلهم يصرخون ويستغيثون.. حتى انفجرت رئاتهم.
لم يطرقوا جدران الخزان… لأنه لم يكن هناك خزان أصلا.
وحدهُ الموت كان يتلوى وسط المياه العفنة، مثل وحش خرافي، ويلتهم الأرواح، كما يُلتهم “خبز صغير” في فطور دافئ.
هل تخيلتم المشهد البشع.. أيها السادة.
تخيلتموه بكل تأكيد!..
ألستم أنتم من كتب قصته، وقطَّع فقراته إلى لقطات وسيناريو “مثير”، واختار مخرجه وأبطاله بـ”سرية تامة” وتوقعتم حتى نهايته المأساوية؟
28 مغربيا ومغربية (بعضهم في عمر الزهور وآخرون بأسر وأبناء) ماتوا غيلة وغرقا وصعقا وغدرا في طابق أرضي لإقامة سكنية، قالت عنه السلطات الإدارية إنه “مصنع سري”، لكن جاءت الأمطار لتعري فضيحتنا، وتضعنا جميعا أمام حقيقتنا المرة: كلنا فاسدون..وكلنا متواطئون، ولا نستثني أحدا..منا ومنكم.
في الفيلم المصري الشهير “ضد الحكومة”، صرخ محامي ضحايا انقلاب القطار (الراحل أحمد زكي) بملء دموعه، وهو يدعو رئيس المحكمة إلى توجيه استدعاءات إلى المسؤولين الحقيقيين عن الفاجعة للمثول أمام العدالة، من أجل استجوابهم ومساءلتهم ومحاكمتهم.
ونحن، اليوم، لن نكون أقل من أبطال فيلم مصري أنتج وصور وعرض قبل ثلاثين سنة. وسنسمح لأنفسنا بأن نرتدي جبة المحامي، ونقف أمام محكمة الوطن، ونعلن بكل جوارحنا بأن ما وقع في طنجة، أول أمس (الاثنين)، جريمة مكتملة الأركان، كان من المفروض أن يعقبها مباشرة تنحي رئيس الحكومة، ووزيري الداخلية والشغل ووالي الجهة والكاتب العام وعامل العمالة ورجال السلطة بالمنطقة من جميع مناصبهم ومسؤولياتهم، إلى حين انتهاء التحقيق الجنائي.
إن قتل 28 مواطنا في قبو سري جريمة إرهابية بكل المقاييس، يعتبر وزير الداخلية المسؤول الأول عنها، باعتباره الساهر الأول على أمن وسلامة المواطنين عبر التراب الوطني، ومن المفروض أن تتوفر له الجرأة لتقديم استقالته وانتظار مثوله أمام العدالة، بدل أن يكلف موظفيه بتشكيل لجنة إدارية للبحث.
فعمل لجنة التحقيق المركزية، باعتباره عملا إداريا، كان بالإمكان أن يكون له بعضُ الجدوى، لو جرى قبل إبادة أسر بكاملها في “لاكاب” عطن، أما وقد انتقل الملف برمته إلى النيابة العامة والقضاء والبحث الجنائي، فعلى الجميع أن ينتظر دوره في الاستجواب والتحقيق والمساءلة والحكم.
إن أرواح المواطنين ليست لعبة في يد أحد.
وعلى وزير الداخلية أن يكون، في هذه اللحظة، مكان الأم التي فقدت أربع بناتها دفعة واحدة، أو الأب المكلوم الذي مازال يبحث عن جثة ابنته الثانية، بعد أن وصله نعي الأولى، حتى يشعر بما يشعران به حقيقة وليس ادعاء، وحتى يقتنع أن تنحيه عن المسؤولية رفقة مرؤوسيه في ولاية طنجة، أقل ما يمكن أن يقدمه عزاء إلى هؤلاء.
إن الفاجعة أكبر من كل التصورات..
وينبغي أن يكون العقاب في المستوى نفسه.
أما الاكتفاء بتقديم “أكباش فداء”..
فلن يزيدنا إلا اقتناعا بأنكم..
كلكم فاسدون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى