fbpx
ملف عـــــــدالة

محكمـة النقـض … للتميـز عنـوان

فارس وعبد النباوي هرما المحكمة قدما حصيلة مهمة لعمل القضاء في سنة استثنائية

بطعم مغاير افتتحت الجمعة الماضي بمحكمة النقض السنة القضائية، بعد الحصول على الإذن الملكي. افتتاح امتزج فيه الحضوري مع عن بعد بسبب تداعيات الحالة الوبائية وحالة الطوارئ الصحية، إلا أن ذلك لم يوقف العمل القضائي لا بالمحاكم ولا بمحكمة النقض، كما عبر عن ذلك مصطفى فارس، الرئيس الأول لمحكمة النقض، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، بأن «التاريخ أثبت أن المستحيل ليس مغربيا وأن المغرب غني برأسماله اللامادي، بناته وأبنائه الذين يتحدون الأزمات بتفان وإبداع ووطنية ونكران ذات»، مؤكدا أن الافتتاح يأتي من أجل تكريس هذا التقليد القضائي الأصيل، وهو رسالة ثقة واعتزاز بالجهود الكبرى التي تقوم بها السلطة القضائية، ودعم لاستقلاليتها، وتحفيز لكل القضاة المرابطين بكل محاكم المملكة، من أجل صون الحريات وضمان الحقوق والتطبيق العادل للقانون وتكريس الأمن القضائي. وأكد محمد عبد النباوي، الوكيل العام لمحكمة النقض، رئيس النيابة العامة، أن افتتاح السنة القضائية يأتي في ظل ظرفية صحية صعبة فرضتها إكراهات جائحة كوفيد 19. وهو ما يجعل التواصل مع المحيط متوقفا على إجراءات الحماية والتباعد، ويقتضي من محكمة النقض لأول مرة في تاريخها مخاطبة المسؤولين القضائيين في جلسة رسمية، عن طريق المناظرة المرئية عن بعد، مشيرا إلى أن الجائحة أبانت مرة أخرى عن انفراد النموذج المغربي في مختلف تجلياته الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والأخلاقية، بريادة الملك الذي وقف في المقدمة في مواجهة الأزمات والأحداث الكبرى، ومكنت سياسته الرشيدة وتعليماته الحكيمة من توجيه السلطات العمومية إلى تبني حلول رائدة، واتخاذ إجراءات فعالة.

إنجاز: كريمة مصلي

اجتهادات في زمن كورونا

لم تتخل الاجتهادات القضائية لمحكمة النقض، عن التميز رغم الحالة الوبائية التي حدت بعض الشيء من وتيرة العمل، إلا أن ذلك لم يمنع قضاتها من الإبداع من خلال اجتهادات، همت جميع مناحي الحياة العامة، كما أكد على ذلك الرئيس الأول لمحكمة النقض، مشيرا إلى أنها مرتبطة بضمانات المحاكمة العادلة والحق في الدفاع وحماية المال العام وتخليق الحياة العامة وضبط عمل المؤسسات والإدارات العمومية وترسيخ حكامتها وحماية الحق في الصحة والتعليم وضمان الأمن الأسري وحماية المصلحة الفضلى للطفل، وتكريس الأمن التعاقدي والتجاري والعقاري وإيجاد التوازن في علاقات الشغل وقضايا التأمين وضبط مفاهيم هامة، كحماية المستهلك وملك الدولة.

وأكدت محكمة النقض في أحدها أنه حماية للحقوق المالية للأولاد وفي مقاربة قضائية ذات بعد اجتماعي، فإن تكاليف سكن البنت يستمر الأب في أدائها ولو بلغت سن الرشد ولا تسقط عنها إلا بتوفرها على الكسب أو بوجوب نفقتها على زوجها.
وفي شأن ضمان قواعد المحاكمة العادلة في مجال الإثبات، فقد اعتبرت محكمة النقض عملية التجسس على الرسائل الإلكترونية لباقي المستخدمين، وتزوير تطبيق معلوماتي لمعرفة كلمة السر، تندرج ضمن الجرائم الإلكترونية التي يتعين لإثباتها إجراء خبرة تقنية وفنية تسند لذوي الاختصاص وليس الاكتفاء بمجرد إجراء بحث لإثباتها، كما شملت تلك الاجتهادات تكريس الحق في الدفاع، إذ اعتبرت محكمة النقض أن عدم استدعاء الطاعن بصفة قانونية لجلسة المجلس التأديبي وتمكينه من إعداد دفاعه داخل أجل معقول بما يكفل له مناقشة الأفعال المنسوبة إليه وإبداء ملاحظاته بشأنها، يشكل خرقا للضمانات التأديبية المكفولة له.

نتائج مهمة رغم الجائحة

أكد مصطفى فارس، الرئيس الأول لمحكمة النقض، أن قضاتها استطاعوا تحقيق نتائج متميزة رغم كل هذه الإكراهات، حيث سجل في 2020 ،31448 قضية وبلغ المحكوم فيها40561 ، أي بزيادة قدرها 9113 قضية، مشيرا إلى أن تلك النتائج تمت رغم النزيف الذي تعرفه محكمة النقض بمغادرة عدد هام من قضاتها بسبب التقاعد، ودخول جيل جديد من القضاة لرحابها الذين يجب أن يمنح لهم الوقت الكافي للاندماج في دينامية عمل وصنعة قضاء النقض، وأضاف فارس أنه رغم وجود انخفاض في عدد المسجل والمحكوم خلال 2020 مقارنة بالسنة الماضية، إلا أن ذلك يبقى عاديا في ظل الظروف الاستثنائية التي تعرفها العدالة عبر العالم والتي حكمت عليها بالتوقف خلال فترة هامة من السنة، ورغم ذلك فقد تم تفعيل الحق الدستوري المتعلق بالتقاضي داخل أجل معقول حيث وصل إلى نسبة 70 % من القضايا يتم البت فيها داخل أجل أقل من سنة.
وبالنسبة إلى قضاة الحكم بمختلف الدوائر الاستئنافية البالغ عددهم 2839 من مجموع 4299 قاضيا، فقد أصدروا في 2020 ، 2610331 حكما، بمتوسط محكوم وصل بالنسبة إلى كل قاض إلى 919 حكما. وهو رقم هام ومتميز بالنظر إلى توقف المحاكم لمدة وصلت إلى أربعة أشهر تقريبا واستمرار تفشي الوباء وتدابير الحجر الصحي.

أرقام ومؤشرات

أكد محمد عبد النباوي، الوكيل العام لمحكمة النقض، أن غرف محكمة النقض استطاعت البت في 40.561 قضية، متجاوزة العدد المسجل في القضايا بها، إذ زاد المحكوم عن المسجل ب 22%. وهو رقم يسجل لأول مرة بالنسبة إلى إنتاج محكمة النقض، مشيرا إلى أن ظروف الجائحة أدت إلى انخفاض عدد القضايا المسجلة من 51.591 في 2019 إلى فقط 31.448، أي بنسبة انخفاض توازي 38%، بينما بلغ عدد القضايا المحكومة 40.561 قضية أي ناقص 6.000 حكم عن 2019، أي بنسبة انخفاض 12 %.
وأكد الوكيل العام أنه نظرا لتوقف الجلسات بمحكمة النقض خلال فترة الحجر الصحي، فإن عدد قضايا المعتقلين احتياطيا ارتفع من 1.156 مخلفة عن 2019 إلى 1.381 قضية لم يبت فيها خلال 2020، أي بزيادة 19%. وذلك رغم أن المحكمة استطاعت أن تبت في 2.577 قضية. وهو رقم يقترب من العدد المسجل الذي ناهز 2.650 قضية تخص معتقلين احتياطيا، مؤكدا في الوقت نفسه أنه كان لانخفاض القضايا المسجلة واستقرار نسبة البت نسبيا، تأثير إيجابي على الرصيد المتخلف من القضايا بالمحكمة، الذي انخفض من 50.985 ملفاً إلى 41.872، أي بنسبة انخفاض توازي 17%.

المحاكمات عن بعد… إستراتيجية مواجهة الأزمة

أكد مصطفى فارس، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن الظروف الاستثنائية بسبب الحجر الصحي فرضت على المجلس رفقة باقي الشركاء تفعيل تدبير مشروع المحاكمات عن بعد بخصوص قضايا المعتقلين الذين لم يعد بالإمكان نقلهم من أماكن اعتقالهم إلى قاعات المحاكم، وهي تدابير ألزمت بتعبئة كل الموارد التقنية واللوجيستيكية في وقت قياسي وتنسيق عمل مختلف الفاعلين من سلط ومؤسسات ومهنيي العدالة من أطر كتابة الضبط وهيآت الدفاع من أجل ضبط الإيقاع وتتبع كل التفاصيل التنظيمية والبشرية اللازمة.
وأشار فارس إلى أن الجائحة فرضت ضمان استمرارية انعقاد الجلسات بمختلف محاكم المملكة دون استثناء بالنسبة إلى المعتقلين مما يشكل تفعيلا للحق في المحاكمة في ظل ظروف صحية عالمية استثنائية ألزمت إدارة السجون باتخاذ قرار عدم نقل المعتقلين خوفا من بروز بؤر للعدوى، والحرص على صحة وسلامة القضاة وأطر وموظفي كتابة الضبط والمحامين وكافة المرتفقين في وقت كان تفشي الوباء يعرف منحى تصاعديا مقلقا، بالإضافة إلى تكريس كل قواعد وضمانات المحاكمة العادلة من خلال الحرص على التطبيق التام السليم لكل الإجراءات المسطرية بعد موافقة المعتقلين على محاكمتهم بهذه الطريقة وحضور دفاعهم الذي مكن من ممارسة حق التخابر وفق آليات وتدابير ملائمة، تنضاف إليها مسألة صون الحق في الحرية مبدأ إنسانيا ودستوريا أساسيا من خلال تمكن عدد من المعتقلين من نيل حريتهم نتيجة صدور أحكام لفائدتهم بفضل هذه المحاكمات عن بعد.

وأكد الرئيس المنتدب أن الأمر تطلب كذلك إبراز انخراط السلطة القضائية من خلال هذه المقاربة الاستباقية التشاركية في مشروع تحديث وتطوير عمل منظومة العدالة والارتقاء بها رافعة أساسية للتنمية ولتكون في مستوى التحديات المستقبلية، والدفع بشكل إيجابي في اتجاه الانتقال الى المشروع المتكامل الشامل للتقاضي عن بعد وللمحاكمة الرقمية، وقد تمت مواكبة عن كثب تنزيل هذه العملية منذ انطلاقتها الرسمية يوم 27 أبريل 2020 مع الحرص على تفعيلها وتتبع كل تفاصيلها التنظيمية والتقنية والبشرية بمختلف محاكم المملكة ومنها محكمة النقض التي عقدت أولى جلساتها عن بعد يوم 6 ماي 2020 بخصوص قضايا تسليم الأجانب الذين تمت محاكمتهم بعد موافقتهم وبحضور هيأة الدفاع والتراجمة، تكريسا لكل شروط المحاكمة العادلة، وأضاف بالقول «يحق لنا اليوم وللتاريخ ورغم كل الانتقادات والملاحظات أن نفتخر وبكل موضوعية وأمانة بهذا المشروع المتفرد الذي نال إشادة وتنويها وطنيا ودوليا وأثار اهتمام العديد من المؤسسات والمنظمات من خلال النتائج والمعطيات والحصيلة التي استطعنا جميعا كشركاء بلوغها خلال الفترة الممتدة من 27 ابريل سنة 2020 الى 29 يناير من هذه السنة، حيث عقدت مختلف محاكم المملكة 14161 جلسة أدرجت خلالها 266159 قضية».

الجائحة… امتحان صعب لمؤسسات العدالة

أكد محمد عبد النباوي، رئيس النيابة العامة، أن جائحة كوفيد سارس 19، شكلت امتحانا صعبا لمؤسسات العدالة على غرار الكثير من القطاعات الأخرى التي تأثرت بها سلبياً بالمغرب وبأغلب دول العالم، مضيفا أن 2020 كادت تكون سنة بيضاء بالنسبة إلى المحاكم، التي اضطرت في فترة الحجر الصحي إلى توقيف أغلب أنشطتها حماية للمتقاضين ولمهنيي العدالة، إذ اقتضت التدابير الوقائية لزوم البيوت خلال فترة الحجر الصحي منذ أواخر مارس إلى غاية يوليوز، بشكل شبه كلي. وهو ما استدعى اللجوء إلى وسائل استثنائية لتصريف القضايا الضرورية، سيما عقد جلسات المعتقلين عن طريق المناظرة المرئية عن بعد، وهو ما مكن المحاكم من أن تبت ما بين تاريخ 27 أبريل 2020 تاريخ أول جلسة عن بعد، ومتم السنة في ما مجموعه 88.079 قضية تهم معتقلين، مثلوا أمام المحكمة عن بعد حوالي 267.200 مرة، وتم الإفراج عن حوالي 8.000 معتقل مباشرة بعد الجلسات 7.785 لأسباب مختلفة، كانوا سيظلون رهن الاعتقال لو لم تعقد جلساتهم بهذه الطريقة.
وأكد عبد النباوي أن تلك المحاكمات التي تتم بموافقة من الأطراف ودفاعهم، تحترم كل شروط المحاكمة العادلة المنصوص عليها في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، سيما الحضورية والوجاهية بين الأطراف، وهو ما سمح بتوقف نسبة المعتقلين احتياطيا على 45% من مجموع السجناء، ورغم ارتفاع النسبة مقارنة بـ 39% المحققة سنة 2019، وتجاوزها بكثير للأهداف المرجوة في ميثاق النجاعة الرامي إلى تحقيق 35%، إلا أنه يجب ألا يغرب عن الذهن أنه لو لا استعمال تقنية المحاكمة عن بعد، لما تمكنت المحاكم، من البت في قضايا أكثر من مائة ألف معتقل بسبب استحالة نقلهم إلى المحاكم امتثالاً لتدابير الوقاية والحماية التي قررتها السلطات العمومية، حفاظا على الصحة العامة لعموم الأشخاص في الوطن، ومن بينهم الأشخاص المعتقلون.

النيابة العامة حاضرة بقوة

أشار محمد عبد النباوي، رئيس النيابة العامة، إلى أنه يتبين من خلال قراءة الأرقام أن 24% من القرارات التي أصدرتها محكمة النقض لم يتم قبولها شكلا، وهو ما يطرح مرة أخرى موضوع التخصص في قضايا النقض من قبل قضاة النيابة العامة وأعضاء الدفاع، مضيفا أنه كانت لتكوين قضاة النيابة العامة لدى محاكم الاستئناف نتائج إيجابية ملموسة، إذ ارتفع عدد القرارات التي استجابت فيها محكمة النقض للطعون التي قدمتها النيابات العامة من 36.67% خلال 2019 إلى 39.05% خلال 2020 ، أي 1.660 قرارا وهو رقم معبر جدا، لأن نسبة الطعون المقدمة من باقي أطراف الدعوى العمومية لم تتجاوز نسبة المقبولية فيها 15.76%، ومن جهة أخرى فإن عدد القضايا المنقوضة استقر في حدود 23.66% (9.597 قرارا)، وهي النسبة نفسها المسجلة في السنة السابقة، ما يستفاد منه أن ما يزيد عن 76% من القضايا استعمل فيها الطعن بالنقض هدراً للزمن القضائي، أي أن ثلاثة أرباع القضايا المحكومة لم يقبل فيها النقض، مما يطرح التساؤلات حول جدية تلك الطعون، والهدف من استعمالها، سيما ما إذا كانت تستعمل بشكل غير متزن لتأخير الحسم النهائي في بعض القضايا التي لا تتوفر منذ البداية أسباب وجيهة لنقضها. وهو ما يستدعي مرة أخرى المطالبة باتخاذ إجراءات قانونية لترشيد استعماله، حتى يظل قضاء النقض مناسبة لتحسين مستوى تطبيق القانون من قبل المحاكم، وأن يتمكن قضاة النقض من التوفر على الوقت الكافي لتدقيق أحكامهم وإجادة تحريرها، ولا يتم إنهاك قدراتهم بتراكم أعداد الملفات بسبب المبالغة في الطعون.
وأكد عبد النباوي أن محكمة النقض أصدرت 40.561 قراراً خلال 2020، أسهمت النيابة العامة لديها في هذا الإنجاز المحمود عن طريق تقديمها لمستنتجات كتابية في جميع هذه القضايا، وبذلك ارتفع معدل المذكرات التي حررها كل واحد من المحامين العامين إلى 1.229 مذكرة. وهو رقم مرتفع جداً لا يسمح بالتعمق في دراسة الملفات وإجادة المذكرات والمستنتجات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى