fbpx
افتتاحية

“بغينا نفهمو”

من يعتقد أن تلقيح المغاربة ضد فيروس قاتل، مجرد عملية تمنيع روتينية كسابقاتها، فهو واهم، بل ظالم في حق الوطن وحاضره ومستقبله، وفي حق المواطنين أنفسهم، بعد أن تجاوز السيل الزبى، على امتداد 10 أشهر من الشقاء والبطالة والحصار.
إن التلقيح الجماعي، في هذه الحالة، يمثل آخر حبل يمتد إلى غريق وسط عواصف وأمواج متلاطمة، لذلك أي خطأ في تدبير هذه العملية الوطنية، من قبل المسؤولين عنها، هو قتل متعمد عن سبق إصرار وترصد.
فليس من عاداتنا كسر المجاديف، وحرق المراكب، أو إشاعة اليأس والإحباط، لكن ما يعيشه المغرب، هذه الأيام، من تخبط في الأمتار الأخيرة للقضاء على وباء فتاك، ينذر بكثير من الاحتمالات السيئة، التي نربأ بأنفسنا أن نتمناها لبلدنا.
فخلافا لكل السيناريوهات التي كانت تضع المغرب ضمن قائمة الدول الأولى التي ستشرع في عمليات تلقيح مكثفة، منتصف دجنبر الماضي، عادت عقارب الساعة إلى الوراء، على نحو مفاجئ، ودخلت الوزارة الوصية في حالة من الارتباك و”التلفة”، وخبا الحماس والتصريحات المتفائلة التي رافقت الإعلان عن الحملة الوطنية للتلقيح ضد “كوفيد 19″، في أكتوبر الماضي.
وفي الوقت الذي كان المغاربة ينتظرون وصول الدفعات الأولى من لقاحات “سينوفارم” الصينية، المصنعة من قبل شركة حكومية ترتبط مع المغرب باتفاقيتين رسميتين، وانخراطا عمليا في التجارب السريرية، فوجئ الجميع بأن ما تم الاتفاق عليه والإعلان عنه رسميا في القنوات العمومية، مجرد أضغاث أحلام.
وطيلة هذا المسار من التخبط، لم يصدر عن الحكومة أي بلاغ، أو تصريح رسمي، يقدم للمغاربة نصف معلومة عن أسباب تعثر الصفقة الصينية، وهل يتعلق الأمر بمشكل إداري، كما قالت مصادر غير رسمية بالوزارة، أم بنتائج علمية غير مرضية للقاح، تضع أمانه وفعاليته ونجاعته موضع تشكيك.
وجاء قرار الترخيص الإداري للقاح ثان، مصنع في بريطانيا (أسترازينكا)، والتعاقد مع شركة مصنعة في الهند لشراء كميات منه، ليزيد الطين بلة، إذ لا يعرف المواطنون، إلى حد الآن، نوعية هذا اللقاح ومكوناته ونسبة أمانه ونجاعته والأعراض الجانبية المحتملة، والفئات التي ستحظى بالأسبقية في عمليات التلقيح، ولا يعلمون أيضا ما إذا كانت الشركة الموردة ستلتزم بتوفير الكميات المطلوبة في الأسابيع المقبلة، وعددها (65 مليون جرعة على الأقل)، أم سنلجأ إلى خيارات أخرى؟ ثم ما تأثير ذلك على هذا المشروع الصحي الضخم المرتبط بأجندة زمنية محددة للوصول إلى المناعة الجماعية؟
أسئلة وأخرى، مازالت معلقة في حبال مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات والغرف ووسط تجمعات الأسر، ودردشات المقاهي، دون إجابة، عدا الإشاعات والأخبار والمعطيات غير المؤكدة، حتى ليخيل لك أن الشعب يعيش في جزيرة معزولة والحكومة تعيش في أخرى، ولا علاقة للأولى بالثانية، وهي حالة شاذة لم يعرفها المغرب، حتى في سنوات الانغلاق الحادة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي.
إن ما تفعله الحكومة ووزارتها الوصية في الصحة لعب بالنار، كما أن الاستهانة بقيمة التواصل والتحسيس وتوزيع المعلومة في مواضيع ذات طابع وطني، مثل حملة التلقيح، قد تكلفها غاليا في المستقبل.
اليوم، يرفع المغاربة شعار “بغينا نفهمو”.
لكن غدا لا أحد يمكن أن يتوقع ما سيحدث.
لأن منع المعلومة عن شعب، أشبه بقطع الأوكسجين عن مريض.
أي الهلاك في الحالتين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى