fbpx
مقالات الرأي

وبجة: أراضي الجموع بين رهانات التنمية المستدامة وتحقيق العدالة الاجتماعية في ضوء جائحة كورونا

تعتبر أراضي الجموع مدخلا أساسيا لتحقيق التنمية المستدامة على أساس إشراك ذوي الحقوق لاستغلال هذا الوعاء العقاري وتيسير عملية تمليكهم لهم بما يضمن عيشهم الكريم لاسيما في ظل هذه المرحلة الحرجة التي يعيشها العالم مع وباء كورونا.
و للتذكير فقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه السامي بمناسبة الذكرى السادسة والستين لثورة الملك والشعب على “إعطاء دينامية قوية للاستثمار ألفلاحي، وفي المهن والخدمات المرتبطة به، وخاصة في العالم القروي”.كما جدد جلالته،دعوته في عدة مناسبات إلى استثمار كافة الإمكانات المتوفرة بالعالم القروي وفي مقدمتها الأراضي الفلاحية السلالية، لـتعبئتها، قصد إنجاز مشاريع استثمارية في المجال الفلاحي حيث وجه عاهل البلاد, في 8 دجنبر 2015 رسالة سامية ذات حمولة قوية, إلى المشاركين في المناظرة الوطنية حول السياسة العقارية, ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتي جاء فيها: ” الهدف هو ترقية ألأراضي السلالية لجعلها قادرة غلى المساهمة في جهود التنمية. كما أن الأمر يتعلق بجعلها وسيلة لإدماج ذوي الحقوق في هذه الدينامية الوطنية ، في إطار مبادئ القانون والعدالة الاجتماعية”.

وتماشيا مع ما حققته بلادنا في الميدان الصناعي و الخدماتي، فقد كان للقطاع الفلاحي أهمية خاصة عند جلالته. واعتبارا للوعاء العقاري الشاسع الذي تزخر به البلاد, حيث يمكن استغلاله لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية في المجال القروي, فان تعبئة الأراضي السلالية أضحت ركيزة أساسية للنهوض بالإصلاح الفلاحي والعقاري في المملكة.
ومما يعجل بتنزيل هذا الإصلاح في الحالة الراهنة نود التذكير بالهشاشة التي تعاني منها ساكنة العالم القروي والتي ازدادت حدتها في ظل هذه الجائحة.
وتأتي الدعوة الملكية، إلى استثمار وتعبئة الأراضي الفلاحية السلالية، بعد أن صادق مجلس النواب بالإجماع، شهر يوليوز2019 ، على ثلاثة مشاريع قوانين تتعلق بأراضي الجماعات السلالية.
+ الإطار القانوني لأراضي الجموع.
عرف الإطار القانوني الخاص بأراضي الجموع مراجعة جوهرية لمقتضياته. ويتعلق الأمر بقانون رقم 62.17 بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، و قانون رقم 63.17 المتعلق بالتحديد الإداري لأراضي الجماعات السلالية، إضافة إلى قانون رقم 64.17 المتعلق بتغيير الظهير الشريف رقم 1.69.30 الصادر في 10 جمادى الأولى 1389 (25 يوليوز 1969) بشأن الأراضي الجماعية الواقعة في دوائر الري.

ويمكن تلخيص الخطوط العريضة للنص القانوني 62-17 في تكريس المساواة بين المرأة والرجل أعضاء الجماعة السلالية في الحقوق والواجبات طبقا لأحكام الدستور، وتحديد كيفية اختيار نواب الجماعة السلالية والالتزامات التي يتحملونها، وكذا الالتزامات التي يتحملها أعضاء الجماعة والجزاءات المترتبة عن الإخلال بهذه الالتزامات.
ويتوخى القانون أيضا إعادة تنظيم الوصاية على الجماعات السلالية من خلال إحداث مجالس للوصاية على الصعيد الإقليمي، إلى جانب مجلس الوصاية المركزي، وتحديد اختصاصات هذه المجالس؛ وفتح إمكانية إسناد أراضي الجماعات السلالية المخصصة للحرث، على وجه الملكية، لفائدة أعضاء الجماعات السلالية من أجل تمكينهم من الاستقرار في هذه الأراضي وتشجيعهم على الاستثمار فيها؛ وفتح إمكانية تفويت أراضي الجماعات السلالية للفاعلين الخواص إلى جانب الفاعلين العموميين لإنجاز مشاريع الاستثمار، مما سيمكن هذه الأراضي من المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة؛ وإعادة النظر في كيفية كراء عقارات الجماعات السلالية، من أجل تشجيع الاستثمار، خاصة في الميدان الفلاحي، وتحديد مدة الكراء حسب طبيعة المشروع الاستثماري المراد إنجازه.
أما النص الثاني، القانون رقم 63.17 المتعلق بالتحديد الإداري لأراضي الجماعات السلالية، فيرمي إلى إعادة صياغة الظهير المؤرخ في 18 فبراير 1924 المتعلق بالتحديد الإداري لأملاك الجماعات السلالية وتحيينه شكلا ومضمونا.

ويتضمن هذا النص تقليص أجل تقديم التعرضات ضد مسطرة التحديد الإداري من ستة أشهر إلى ثلاثة أشهر على غرار الأجل المحدد لتقديم التعرضات في الفصل 5 من الظهير الشريف الصادر في 3 يناير 1916 المتعلق بتحديد أملاك الدولة؛ وسن بعض القواعد المتعلقة بالإجراءات التي يقوم بها المحافظ على الأملاك العقارية بشأن التعرضات على التحديد الإداري، والبت في هذه التعرضات من طرف القضاء؛ وفتح إمكانية تجزيء المسطرة حينما يكون التحديد الإداري موضوع تعرضات تشمل جزء من العقار موضوع التحديد، وذلك من أجل المصادقة على الجزء الخالي من التعرضات، في انتظار البت في التعرضات التي تثقل الجزء الباقي..

أما القانون رقم 64.17، المتعلق بتغيير الظهير رقم 1.69.30 الصادر في 10 جمادى الاولى 1389 (25 يوليوز 1969) بشأن الأراضي الجماعية الواقعة في دوائر الري، فينص على استثناء الأراضي المشمولة بوثائق التعمير من تطبيق أحكام الظهير المذكور، لكونها فقدت الصبغة الفلاحية، حتى يتسنى تخصيصها للاستعمالات التي تتناسب مع طبيعتها؛ وتحديد كيفية تبليغ لائحة ذوي الحقوق، بعد حصرها من طرف نواب الجماعة السلالية، باعتبارها نقطة الانطلاق لعملية التمليك، وتخويل مجلس الوصاية الإقليمي صلاحية البت في الطعون التي يمكن أن تقدم ضد اللائحة.
ومن بين المستجدات والمحاور التي يشملها الإصلاح نذكر أساسا عملية التمليك. فقد عمل المشرع على تمكين ذوي الحقوق من عملية تمليك الأراضي الجماعية الواقعة في دوائر الري. كما عمل على توسيع دائرة المستفيدين من هذه العملية لتشمل ذوي الحقوق للأراضي السلالية الواقعة خارج دوائر الري وفقا لشروط واقفة تتجلى في أن يكون المنتفع من هذه الأراضي مستغلا فعليا وأن يكون استغلاله مجديا ومنتجا لنفسه ولغيره وأن تكون القطعة الأرضية المستغلة قابلة للإنتاج (وحدة استغلالية متوسطة).
وتتجلى الأهداف الأساسية لذلك في خلق طبقة متوسطة قادرة على إحداث فرص الشغل وتحويل أفراد ها إلى ملاك حقيقيين, يتوفرون على رسم عقاري, يتيح لهم حق الولوج للقروض والمؤسسات البنكية والتداول العقاري.

ومما لا شك فيه فان الإطار القانوني الجديد تطرق إلى إشكالات جوهرية تخص أراضي الجموع وعمل على تبسيط العديد من المساطر المرتبطة بها لكن التساؤل يبقى قائما فيما يخص الواقع العملي.وهذا ما يدفعنا إلى البحث حول الفراغ الذي يسجله هذا الإطار و مدى فعاليته ونجا عته في تحقيق أهداف التنمية المستدامة و العدالة الاجتماعية خاصة في ظل جائحة كورونا.
+ ورش أراضي الجموع بين رهانات التنمية المستدامة وتحقيق العدالة الاجتماعية
تم انعقاد اجتماع مجلس التوجيه الاستراتيجي لوكالة تحدي الألفية يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2020 برئاسة السيد محمد بن شعبون و زير الاقتصاد و المالية و إصلاح الإدارة. حيث تم الوقوف خلال هذا الاجتماع حول تقديم حصيلة تنفيذ برنامج التعاون المسطر من طرف الحكومة المغربية و نظيرتها الأمريكية الممثلة بوكالة تحدي الألفية , إضافة إلى تتبع مدى تطبيق الأهداف الموصى بها من طرف أعضاء المجلس لتسريع وثيرة تنفيذ برنامج التعاون.و في هذا الخصوص فان هذا التعاون يشمل مشروع “العقار القروي” الذي في إطاره تم إتمام المسح الميداني ل 36000 هكتار من الأراضي الجماعية في الغرب و الحوز الواقعة داخل دوائر الري المعنية بعملية التمليك. وتعتبر هذه العينة بمثابة بداية لتوسيع دائرة المستفيدين من عملية التمليك لتشمل عددا اكبر من ذوي الحقوق.
وحيث يظهر لنا جليا أن ورش أراضي الجموع من شانه أن يحقق العدالة الاجتماعية في العالم القروي الذي يعاني من تفاوتات مجالية مقارنة مع الحواضر. فقد حرص جلالة الملك محمد السادس على تمكين ذوي الحقوق من عملية التمليك لما لها من آثار ايجابية في تحريك الدورة الاقتصادية و الإنتاجية وتحقيق النمو. وبذلك فان السلطات الوصية مطالبة بتيسير هذه العملية رغم الاكراهات التي قد تطرحها والتي نذكر من بينها:

+ عدم بلوغ المساحة الدنيا للقطع الأرضية المملوكة للجماعات السلالية، الواقعة خارج دوائر الري وغير المشمولة بوثائق التعمير، التي يمكن إسنادها على وجه الملكية المفرزة أو المشاعة لفائدة عضو أو عدة أعضاء بالجماعة السلالية المعنية والمحددة في عشرة (10) هكتارات ..
+ طغيان المصلحة الفردية والأهداف الشخصية لبعض الأفراد من القبيلة و تفردها بالقرارات التي لا تخدم المصلحة العامة ومصلحة الجماعة.
+ عدم إحداث تعاونيات للحيلولة دون الوقوع في الإشكالات السالفة الذكر.
+ صعوبة التمليك فيما يخص الأراضي الرعوية التي لها خصوصيات معينة.
+ احتلال الأراضي من طرف الفلاحين الأجانب تارة بمباركة بعض ذوي الحقوق وتارة بسبب المتدخلين الآخرين.
+ إشكالية الأجانب الذين عمروا في الأرض لسنوات عدة ومدى إمكانية إفراغهم. وتجدر الإشارة إلى أن المقصود بالأجانب هم الأشخاص الذين غالبا ما يعتبرون طرفا في عقود كراء عرفية باطلة من الناحية القانونية مع بعض ذوي الحقوق. حيث إن مسطرة كراء هذه الأراضي مقيدة بشروط تعتبر من النظام العام ويجب أن تكون تحت إشراف الوصاية. وهنا تطرح إشكالية مدى قابلية إفراغ هذه الفئة من الناحية الإنسانية.

كل هاته النقط تعتبر بمثابة إكراهات لإنجاح سياسة التمليك وتوسيعها لتشمل جميع الفئات وخاصة منها الأكثر هشاشة.
وإذا كانت الغاية من التمليك هو تحقيق الاستثمار بتمكين ذوي الحقوق من القروض, فان المشرع ارتئ إمكانية تحقيقه عن طريق كراء أراضي الجموع للقطاعين الخاص و العام, لإحداث مشاريع تنموية وتشغيل الشباب. ومما لا شك فيه أن الاستثمار يمكن تحقيقه باللجوء إلى الشركات الكبرى من القطاعين العام و الخاص التي تتوفر على إمكانات مالية مهمة, وقوة اقتصادية تؤهلها إلى انجاز مشاريع تنموية ذات بعد اجتماعي. لكنها بالمقابل مطالبة في إطار تشغيلها للشباب, بالتصريح بهم لدى منظمة الضمان الاجتماعي, وتوفير التغطية الاجتماعية و الصحية لهم بما يضمن كرامتهم وأمنهم الوظيفي وانخراطهم اللامشروط في الإستراتيجية الملكية لتعميم التغطية الصحية .
ومن بين الأمور التي يجب تجنبها من طرف المتدخلين في هذا الإطار, تسييس الورش و جعله يخدم أجندات سياسوية، لا تمت للمصلحة العامة بصلة. و هذا من شانه أن يعتبر اختلالا في تدبير الملف وخرقا صريحا لأهداف السياسة المولوية السامية مما يحدث آثارا سلبية في تحقيق التنمية. وحيث أن إنجاح هاته السياسة رهين بالتدبير السليم والحكامة الجيدة المتبعة من طرف مجالس الوصاية ونواب الجماعات السلالية, فان غياب التتبع و تقييم السياسات في هذا المجال ينتج عنه تراجع في خلق الثروة وتوزيعها وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة. وهذا ما نستمده من الخطاب الملكي السامي لذكرى عيد العرش المجيد في 30 يوليوز 2000 حيث جاء فيه” إن حرصنا على التوجه المجتمعي نابع من إيماننا بأن الكرامة تفتقد مع الجهل أكثر مما تفتقد مع الفقر.و من ثمة كان توجهنا للاستثمار في الموارد البشرية باعتبار رأس المال البشري رافعة للتقدم و خلق الثروات و نظرا لدوره في تحويل و تدبير باقي الثروات و إدماج هذا الاستثمار في مسيرة التنمية”..
و للتذكير بالإكرهات التي تحول دون إنجاح الورش نذكر أساسا, غياب التمويل, حيث نسجل عدم انخراط الأبناك في تيسير عمليات تمويل المشاريع, وهذا راجع بالخصوص إلى عدم توفر الضمانات لدى مقترضي الائتمان، الذين عادة ما لا يلجؤون إلى تحفيظ أراضيهم بعد تمليكهم لهم من طرف مجالس الوصاية. وإننا بقدر ما ندافع عن حق ملاك الأراضي السلالية في التمويل, فإننا نتفهم أن وضعية الابناك في الحالة الراهنة في ظل جائحة كورونا هي وضعية صعبة, تتميز بقلة السيولة وان التمويل ينصب على القطاعات الأكثر أولوية والأكثر تضررا من الجائحة.
في الختام, وفي إطار تعبئة هذه الأراضي فان السلطات تضطلع إلى تحقيق الأمن الغذائي لضمان الاستقرار, لذا يجب إدماج هذا الورش في المخطط القطاعي المغرب الأخضر, وإعطائه الأولوية على رأس السياسات العمومية الوطنية لاسيما في ظل جائحة كورونا.

يوسف وبجة: دكتور في الحقوق والعلوم السياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى