fbpx
حوادثمقالات الرأي

عبيد: قراءة في المادتين 14 و15 من مدونة الأسرة

وضعية تطبيق مقتضيات المادة 14 تطرح بحدة ضرورة البحث عن حلول تشريعية أكثر جرأة وملاءمة (3/2)

بقلم: ذ/عثمان عبيد *

وما فاقم من إشكال هذه الوضعية (وفي بعض الأحيان الفهم غير الموفق لمقتضيات المادة 14 حول حضور الشاهدين المسلمين)، أنه وحتى في ظل الاتفاقية المغربية الفرنسية لـ1981، والتي تشير في مادتها الخامسة بوضوح إلى ضرورة تطبيق قانون إحدى الدولتين التي ينتمي لها الزوج أو الزوجة في ما يخص الشروط الجوهرية للزواج، وحددت هذه الشروط فقط في: سن الأهلية الزواج، والإيجاب والقبول، والخلو من الموانع، وتشير أيضا في مادتها السادسة بوضوح إلى أن تطبيق الشروط الشكلية للعقد يخضع لقانون الدولة التي أقيم بها الزواج، لوحظ من الناحية العملية أن كثيرا من عقود زواج المغاربة التي تتم في فرنسا يتم إلحاق ملحق إشهادي بها يتضمن حضور شاهدين مسلمين لمجلس العقد أو علمهما بإبرام عقد الزواج (رغم أننا نجد في هذه العقود حضور شاهدين إما فرنسيين أو شاهدين مسلمين أحدهما أو كلاهما من النساء) وهو ما ظهر معه تعطيل واضح لمقتضيات الاتفاقية المذكورة التي يفترض أن لها الأولوية في التطبيق.
المادة 14: تشبث بالمضمون وتوجه نحو إعطاء نفس جديد للتطبيق:

إذا بالنظر للإشكالات والصعوبات التي أثارها هذا الحل المضمن بالمنشور المومأ إليه أعلاه، فقد أصبح مثارا لانتقادات شديدة من قبل بعض الفقهاء القانونيين الذين وصفوه في بعض الأحيان ب”بدعة الإشهاد الملحق” و”العبث الإجرائي”، كما أثار جملة من المؤاخذات من قبل عدد من المهتمين بشؤون المغاربة المقيمين بالخارج، على اعتبار أنه ووفقا لما ذهب إليه بعضهم “شكل عبئا إجرائيا غير منتج، ترتب عنه عزوف العديد من المواطنين عن إيداع زواجهم، واللجوء في أحسن الأحوال إلى الاستلحاق لتسوية وضعية الأبناء رغم وجود عقد زواج صحيح وفقا لأحكام مدونة الأسرة”، فكان التدخل الثاني والذي جاء في سياق تنفيذ التعليمات الملكية الواردة في خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2015، وهذه المرة في إطار تنسيق مشترك بين وزارة العدل وكل من وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي ووزارة الداخلية والوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة، إذ عقدت عدة اجتماعات من أجل دراسة الإشكالات التي تواجه أفراد جاليتنا في الخارج على مستوى تطبيق مدونة الأسرة والحالة المدنية ومحاولة إيجاد سبل لمعالجتها، وتم الاتفاق على بعض الحلول التيسيرية ضمنت في الدورية المشتركة عدد 352 بتاريخ 30 غشت 2016 الموجهة إلى رؤساء البعثات الدبلوماسية والمراكز القنصلية المغربية بالخارج، والولاة وعمال العمالات والأقاليم وعمالات المقاطعات، والرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف والوكلاء العامين للملك لديها ورؤساء المحاكم الابتدائية ووكلاء الملك لديها وكذا القضاة الملحقين بسفارات المملكة بالخارج، والتي وإن كانت حافظت على التوجه نفسه من حيث ضرورة إنجاز الإشهاد الملحق بالنسبة لعقود الزواج المبرمة طبقا للإجراءات الإدارية المحلية لبلد الإقامة التي تفتقد لشرط حضور الشاهدين، فإنها خففت من بعض الالتزامات الواردة في المادتين 14 من خلال اعتبارها ما يلي:

أولا: أنه في حالة عدم التنصيص في عقد الزواج المبرم طبقا للإجراءات الإدارية المحلية لبلد الإقامة على حضور الشاهدين المسلمين، فإنه يحق للمعنيين بالأمر إنجاز ملحق لهذا العقد لدى المصالح القنصلية يتم فيه التنصيص على شهادة شاهدين عالمين بواقعة الزواج يكون سند علمهما الحضور الشخصي لمجلس العقد أو فقط العلم بإبرام عقد الزواج.
ثانيا: إمكانية تلقي المكلفين بمهام العدول بالقنصليات للإشهاد الملحق بعقد الزواج طبقا للإجراءات الإدارية لبلد الإقامة من قبل أحد الزوجين فقط (ما لم يتعلق مضمون الإشهاد بإنشاء التزامات مالية على عاتق الزوج الآخر، كالإشهاد على تحديد الصداق حيث يتعين في هذه الحالة حضور الزوجين معا وإقرارهما بذلك.)
المادة 14: البحث عن الحسم النهائي للإشكال المطروح:

وهنا يمكن أن نطرح التساؤل التالي: هل مكنت هذه التدخلات من التيسير على المغاربة المقيمين بالخارج وتطبيق مقتضيات المادة 14 وفقا لما رام إليه المشرع المغربي عندما سنها؟
الموضوعية تفرض علينا القول بأن الرد بالإيجاب على هذا التساؤل يبقى نسبيا، على اعتبار أن الإجراءات التي قامت بها وزارة العدل قد خففت فعلا من الوطأة الإجرائية لمقتضيات المادتين المذكورتين، ولكنها بكل تأكيد لم تنه الإشكال المطروح الذي أفرزه التطبيق العملي للمادة 14 طيلة ما يزيد عن 16 سنة، وهو المحاولة الدائمة والصعبة للمزاوجة بين تفسيرنا لمفهوم الشهادة في عقد الزواج وتوثيقه الذي تشبث به المشرع المغربي عند وضعه لهذه المقتضيات، وبين خصوصيات القواعد القانونية الواجب تطبيقها على وضعية المغاربة المقيمين في بلدان الإقامة. هذه البلدان التي تختلف مفاهيمها القانونية حول إبرام عقد الزواج عن تلك التي تتضمنها مدونة الأسرة والنظام التوثيقي للزواج لدينا، ويبقى من الظلم الإجرائي للمغاربة المقيمين بالخارج أن نلزمهم في تدبير وضعياتهم العائلية بقواعد شكلية نابعة من القانون الوطني لتسري عليهم حتى في بلدان المهجر.
لقد أصبحت وضعية تطبيق مقتضيات المادة 14 كما هي عليه حاليا تطرح بحدة ضرورة البحث عن حلول تشريعية أكثر جرأة وملاءمة لما يعيشه أفراد جاليتنا بالخارج، نعتمد من خلالها على ما تراكم من تجربة إدارية وقضائية في تطبيق هذه المقتضيات، ونراهن أيضا على تغيير نظرتنا لعملية توثيق عقد الزواج أمام المصالح الإدارية المحلية لدول الإقامة، وذلك باعتبارها تصرفا قانونيا مبرما أمام جهة رسمية لها صلاحية توثيق التصرفات والعقود، واعتبار العملية التوثيقية للعقد في حد ذاتها كافية دون الحاجة إلى ضرورة الإشهاد على العقد من قبل الغير، بعد إنجازه من طرف من له صلاحية التوثيق وفقا لقوانين بلد الإقامة، إضافة إلى الاستئناس بما راكمه الاجتهاد القضائي المغربي عند تصديه للبت في موضوع توثيق عقد زواج المغاربة في الخارج.
* رئيس قسم قضاء الأسرة والقاصرين وفاقدي الأهلية بمديرية الشؤون المدنية بوزارة العدل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى