fbpx
افتتاحية

“عُزلة” جار

بعد تحريض أئمة المساجد على الدعاء على المغاربة في خطب صلاة الجمعة، يمكن أن نتوقع، بعد اليومِ، أي سلوك شاذ من نظام عسكري جزائري فقد، رسميا، البوصلة، ودخل حالة هذيان قصوى لا أحد يتكهن بتبعاتها.
فعلى مدى سنوات من الصراع الإقليمي المفتعل ضد الصحراء المغربية، لم يحدث أن تهورت حكومة في الجزائر واستغلت مؤسسة دينية (المساجد) لتجييش المسلمين ضد إخوانهم المسلمين، وزرع بذور الفتنة العقدية بين شعب واحد يقطن على طرفي حدود دولتين، وهي لعمري سابقة ينبغي أن تُكتب بمداد من عار في سيرة بلد المليون ونصف المليون شهيد.
والغريب أن الدعوة إلى توحيد خطبة الجمعة في موضوع “الصحراء الغربية وقضية فلسطين” (كما ورد في مراسلة رسمية من الوزارة المكلفة بالشؤون الإسلامية في الجزائر)، تزامنت مع الذكرى 45 لأكبر عملية تهجير في تاريخ الإنسانية، أعطى أوامرها رئيس متهور، اسمه هواري بومدين، ونفذتها القوات العسكرية صباح يوم عيد الأضحى، إذ اقتحمت البيوت بالأحذية الثقيلة والبنادق والرشاشات، وزجت بآلاف المغاربة (بعضهم ولدوا وكبروا في الجزائر)، في شاحنات، ورمت بهم ما وراء الحدود.
ومن يعتقد أن تزامن الحدثين، مجرد صدفة، فهو واهم، ولا يعرف عقلية نظام عسكري حاقد، يعاني عقدة نفسية اسمها المغرب، ويعتقد أن جميع أزماته الداخلية والخارجية، سببها هذا الجار المزعج بهدوئه، الذي يتقدم بخطى ثابتة إلى الأمام، رغم إمكانياته وموارده الطبيعية والمالية المتواضعة، بينما هو يتأخر إلى الوراء، رغم نومه على حقول من الغاز والبترول، يهدرها (مثل أحمق) في نزاع إقليمي لا ناقة له فيه ولا جمل.
لقد فقدت الجزائر أي إحساس بالانتماء إلى رقعة جغرافية واحدة تجمعها مع جار تتقاسم معه التاريخ والعلاقات الإنسانية والمصير والمستقبل. فلا المغاربة اختاروا أن يكون الجزائريون جيرانا لهم، ولا الجزائريون أرادوا ذلك، إنها أقدار الجغرافيا، التي تفرض حدا أدنى من التعايش حتى تستمر الحياة.
فهذه القناعة الإنسانية، هي التي حكمت علاقة المغرب بالجزائر منذ مئات السنين، وهي التي فرضت على الملك الراحل الحسن الثاني ألا يرد بالمثل، حين طرد آلاف المغاربة يوم عيد الأضحى في 1975، وتشكل عقيدة الملك محمد السادس، الذي مازال يمد يده لفتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين، على أساس “الثقة المتبادلة والحوار البناء”.
ورغم أن مبادرة الأيادي الممدودة انطلقت قبل سنتين، وكان المغرب مستعدا لفتح جميع الملفات والقضايا وينصت ويتفاوض ويصل إلى حلول وسطى، اعتقد النظام الجزائري بعنجهيته الموروثة من الزمن الغابر، أن مبادرة المغرب ضعف واستسلام، فطلع إلى الجبل، بل خرج الرئيس الجزائري الحالي في خطاب رسمي، مؤكدا أن لا حوار مع الدولة المغربية، قبل أن يأتي ملكها معتذرا على إغلاق الحدود في 1994 (هكذا).
واليوم، حين تأكدت الجزائر أن مبادرة الأيادي الممدودة لم تكن دعوة فقط للصلح، بل دعوة مفتوحة للشراكة في المستقبل في عالم متحول لا يرحم المتخاذلين و”المنعزلين”، عضت على شفتها السفلى ندما، لكن استمرت في العناد والحقد والتحريض، بدل تدارك الموقف.
إن التاريخ سجل أن المغرب بذل ما في وسعه وأكثر، من أجل مصلحة دولتين وشعبين يجمعهما المصير نفسه، لكن لم يجد، في المقابل، غير عناد مريض، لن يقتل، في نهاية المطاف، سوى صاحبه.
ودائما “خاوا خاوا”
ولو كره الحاقدون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى