fbpx
افتتاحية

مكمن الخطر

لا نحتاج إلى دليل لتأكيد أن المغاربة أشداءٌ في اللحظات التاريخية الكبرى، وكبار في تجسيد قيم التضامن والتلاحم للانتصار لقضايا الوطن، ومستعدون للتضحية بالدماء والأموال والأولاد، إن اقترب غريب، أو مرتزق، أو مدع من حبة تراب فيه.
هؤلاء هم المغاربة الذين لا ينتظرون رد جميل، أو قبض ثمن نضالهم ووطنيتهم وتضحياتهم، بل ينتظرون مجرد التفاتة من حكومة يبدو أن نشوة الانتصار في الصحراء، أنستها واجب العمل (بالوتيرة السابقة على الأقل) لتخفيف الآثار الوخيمة لأزمة اجتماعية واقتصادية تزداد اختناقا، ناتجة عن جائحة كورونا.
فمنذ أكثر من ثلاثة أشهر، عادت الحكومة إلى سباتها العميق، واختزل رئيس الحكومة عمله في الدورات الأسبوعية للمجالس الحكومية، وحضوره جلسات البرلمان لتلاوة تقارير ومنجزات على الورق لم يٌترجم، أغلبها، على أرض الواقع، بدليل استمرار الهوة شاسعة بين خطاب إقلاع حالم، وبين وضعية مواطنين يعيشون، اليوم، على “البركة”.
لقد تفهم المواطنون لعدة أشهر أن الحكومة لم يعد لديها ما تعطيه لهم، في شكل دعم مالي مباشر، لكنهم لم يفهموا كيف يمكن لها أن تتخلى عنهم كليا في مثل هذه الظروف، بعد أن صدقوا كذبة الإقلاع الاقتصادي وتنشيط الحركة التجارية والتصنيع وفضاءات الخدمات.
لقد أثبتت التجربة أن عمليات التخفيف وعودة بعض القطاعات إلى الاشتغال لامتصاص حدة البطالة، هي وهمٌ، لا يشبهه إلا وهمُ إقامة دولة في جنوب المغرب، لأربعة أسباب على الأقل:
أولا، النسبة القليلة من الأنشطة التي عادت إلى الحياة، وهي نسبة غير كافية، إذ فضل الكثير من أرباب المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية التي تشغل قطاعا واسعا من العمال، الاستمرار في الإغلاق، عوض استئنافٍ غير مربح، في غياب التشجيعات والإعفاءات.
ثانيا، أن العمال والمستخدمين الذين عادوا إلى أعمالهم، فعلوا ذلك بشروط جديدة، فرضتها إكراهات الأزمة، من بينها التنازل عن جزء من الأجر، أو العمل لفترة محددة “بيليكي” إلى حين انتعاش المداخيل الذي قد يأتي أو لا يأتي.
ثالثا، صعوبة الولوج إلى العمل بالنسبة إلى قسم كبير من المستخدمين، سواء لأن القطاعات المشتغلة لم يُسمح لها بعد باستئناف العمل في عدد من المدن، مثل قطاع الحمامات والقاعات الرياضية (….)، أو لعدم توفرهم على تكوينات مزدوجة تسمح لهم بأكثر من فرصة عمل.
رابعا، رجعية الإجراءات والمساطر والتدابير البيروقراطية ومعضلة التراخيص التي تضرب جميع المجهودات التي تقوم بها الدولة لتجاوز الأزمة، إذ اكتشف عدد من المغاربة الراغبين في تحسين شروط حياتهم، أن المشكل ليس في السياسة العمومية، بل في ذلك الموظف، أو المسؤول المحلي الذي يضع العصا في عجلة أي مبادرة، ويحول الحلم إلى كابوس.
هذه المواضيع التي تبدو صغيرة، قد تتحول إلى معضلة سياسية، حين سنجد أن جبهتنا الداخلية ضد أعداء الوطن، يمكن أن تتأثر، أو تتفتت، فقط لأن الحكومة لا تريد أن تتحمل مسؤوليتها تجاه المواطنين.
وهنا مكمن الخطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى