fbpx
ملف الصباح

“زهيرة” والتسول … أنا ومن بعدي الطوفان

لا أحد يملك لسانا سليطا مثل “زهيرة” (اسم مستعار)… هكذا يراها من شاءت الأقدار أن يحتك بها، فهي تسب وتشتم، وتتحدث بمكر عن قصص جاراتها، الله وحده يعلم كيف تجاوزت الجدران ووصلت إلى أذني “زهيرة” التي ترفع شعار “أنا ومن بعدي الطوفان”.
وهبت “زهيرة” حياتها لإطعام أفواه أبنائها الثلاثة، بعدما فارق زوجها الحياة، ولم يترك لها “درهما أبيض ينفعها في أيامها السوداء”، فاضطرت إلى العمل في المنازل خادمة مياومة، وتخلت عن كبريائها، الذي بنته في سنين طويلة، من أجل ضمان لقمة العيش ومصاريف دراسة الأبناء، وواجهت مشاق الحياة بطبع جديد لم يعهده فيها كل من ارتبط بصداقتها، إذ أصبحت تسب الجميع، وتبحث في سير جاراتها لسبهن وشتمهن، ربما تنفيسا عن وضعيتها الجديدة.
مرة، أدهشت “زهيرة” كل سكان الحي، فقد تأقلمت مع الحياة الجديدة، وسمح لها إتقانها اللغة الفرنسية بالعمل في منزل إحدى الأسر الميسورة، ثم عادت ابتسامتها، دون أن تتخلى عن هوايتها في السب واللعن واصطياد أخطاء الآخرين، وأحيانا يتضايق أبناء الحي من غرابة تصرفاتها قيقاطعونها، ثم سرعان ما تستجدي صداقتهم.
في تفاصيل حياة “زهيرة” الكثير من الألغاز، إذ لم تنه تعليمها الثانوي، ولا تخجل من أن يقول الناس إنها “فقيرة”، وتتدخل في كل شيء، وتتحول أحيانا إلى وسيطة قادرة على حل جميع المشاكل التي تصادف بعض جيرانها، من قبيل منع طلاق زوجين أو الصلح بين الجيران أو إنجاز بعض الوثائق في رمشة عين، لينتابها إحساس بالفخر، وهي تستقبل الشكر منهم، والثناء على مكانتها والخدمات التي تقدمها.
في زمن كورونا، أصبحت “زهيرة” شخصية محبوبة ومكروهة في الوقت نفسه، وكلما انتشر خبر ما، إلا واتجهت إليها الأنظار، ما جر عليها الويلات أحيانا، إذ انهال عليها أحدهم بالسباب لأنها أخبرت الجميع أن والدته توفيت متأثرة بالفيروس، ورغم كل ذلك لم تعتقد يوما أن مصيرها ستلوكه الألسن بكثير من الشفقة.
تخلت ربة عملها عن خدماتها بسبب تداعيات كورونا الاقتصادية، وعادت “زهيرة” إلى الفقر مجددا، وبحثت كثيرا عن عمل جديد، لكن دون جدوى، وبدأت تستجدي الجيران لمساعدتها في تحمل أعباء الأبناء التي لا تنتهي، ثم وجدت نفسها منبوذة من الجميع، فاتخذت خطوة غيرت مجرى حياتها.
ارتدت برقعا يخفي جميع ملامحها، وتوجهت إلى إحدى المخبزات في حي راق، ثم جلست تتسول الزبناء، فقد رفضت أن تستمر في طلب الإعانات من الجيران، وفضلت الهروب إلى التسول، ممنية نفسها بأن تظل مجهولة، ولا أحد يتعرف على هويتها.
لم يستغرق الوقت طويلا، حتى فطن بعض السكان لمهنتها الجديدة، حاولت الإنكار، ثم انهارت أمام قريبة لها لتعترف أنها أصبحت متسولة، من الدرجة الأولى، ولا يهمها إن تعرضت للوم، ففي كل مرة تردد مقولتها الشهيرة :” الله يعفو علينا من هاذ البلية”.
خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى