fbpx
افتتاحية

استرزاق بـ”الوكالة”

وحدها الجثث تتمتع بحاسة النسيان، ووحدها الحجارة لا تملك ذاكرة ترافع بها أمام المحكمة العليا للتاريخ. ومن يعتقد أن المغاربة يمكن أن تمرر عليهم “الدكاكة” بسهولة، فهو واهم، أو ناقص عقل ودين.
إن الدرس الكبير، الذي تقدمه القوات الملكية الباسلة في الصحراء المغربية في مواجهة الشرذمات الصغيرة والمرتزقة والانفصاليين، يمكن أن يكون درسا أيضا لكل من يحاول استبلاد المغاربة، ويضع فوق ظهورهم “البردعة” ويحولهم إلى دواب، صم بكم لا يعقلون.
فما يجري، اليوم، في كواليس بعض القطاعات الحكومية لتمرير صفقات للتواصل والتحسيس لـ”وكالة خاصة”، اشتهرت بالدلال والغنج في الغرف المظلمة، هو فضيحة بكل المقاييس، وسبة في حق هؤلاء المسؤولين، الذين يعرفون أصل وفصل هذه “الوكالة”، والأدوار التي قامت بها وتقوم بها لفائدة لوبيات ومؤسسات وشركات ونواد و”شخصيات”، تعتبر المغرب أصلا تجاريا يصلح للريع والاغتناء غير المشروع، ومجالا للبلطجة وخرق القانون وشراء الذمم.
فإذا صحت الأخبار، التي تروج على نطاق واسع أن هذه “الوكالة” استفادت من صفقات عمومية مباشرة بملايين الدراهم، من أجل التحسيس بالحملة الوطنية للتلقيح ضد فيروس كورونا، ومواجهة ادعاءات “بوليساريو”، فيمكن أن نقرأ السلام على بعض المسؤولين، الذين يستهترون بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم.
وعليه، فإن اللجوء إلى “وكالة” خاصة بهذه المواصفات، من أجل تحسيس المغاربة بقضايا مصيرية، مثل التلقيح ضد الوباء، أو المواجهة الإعلامية لعصابة “بوليساريو”، يعتبر خيانة بأوجه مختلفة:
أولا، خيانة 35 مليون مواطن ضحوا بكل ما يملكون، من أجل التقيد بالحد الأقصى من تدابير الوقاية وأغلقوا على أنفسهم 80 يوما في منازلهم لمحاصرة الوباء، ولم يكونوا في حاجة إلى تحسيس وتعبئة مدفوعة الثمن، مكتفين بما تطوعت به القنوات العمومية والإعلام الوطني.
ثانيا، خيانة لعشرات الصحافيين والإعلاميين ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي وصناع المحتوى، الذين كانوا في الصفوف الأولى منذ اكتشاف أول حالة في مارس الماضي، وأنتجوا آلاف المقالات والربورتاجات والحوارات والتدوينات مجانا، وواجهوا الوباء في عقر داره، ولم يطلبوا أي تعويض، أو درهم، ولن يطالبوا به أبدا، لاقتناعهم أن الوطن ليس “همزة”.
ثالثا، خيانة لميثاق حماية المال العام من الهدر والسرقة والتبذير، إذ في الوقت الذي يبذل جلالة الملك مجهودات جبارة، من أجل توفير موارد وعائدات جديدة وإنشاء صناديق التضامن والاستثمار، نجد من يستدعي وكالة مدللة ويغدق على أصحابها الملايير، دون وجه حق.
رابعا، خيانة لمجهودات الدولة من أعلى مستوياتها، التي اعتبرت مواجهة الوباء قضية وطنية تهم جميع المغاربة، وهي غير قابلة للتفويت، أو البيع والشراء والاسترزاق من أي جهة كانت.
إن صفقة مشبوهة من هذا الحجم لن تمر، ولو اقتضى الحال دعوة المغاربة إلى مقاطعة جميع حملات “التحسيس”، التي ستقوم بها “وكالة” أبانت عن نزعتها الانتهازية المريضة في أكثر من مناسبة، بل مقاطعة حملة عمليات التلقيح أيضا، لأن ما ينسب إلى فرع فاسد، فهو فاسد أيضا.
لقد أدلى العقلاء بموقفهم الواضح في الموضوع، ومنهم أعضاء الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، التي اعتبرت أن الصحافة والإعلام والتحسيس والتوعية خدمة مجانية، يقوم بها الصحافيون الأحرار بشكل تطوعي ومجاني وبوطنية عالية، ولا يحتاجون إلى صائدي الجوائز ومقتنصي الفرص للإنابة عنهم.
مهما كانت الظروف.
ومهما كلف الأمر.
ولهذا، فمن الواجب الوطني إلغاء الصفقة المشبوهة، ووقف تبذير المال العام لفائدة وكالة لا تنتج إلا الرداءة، للاستهتار بالمغاربة واستبلاد صناع القرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى