fbpx
مقالات الرأيملف الصباح

الهروي: لا مفر من التعايش

قال الباحث الهادي الهروي إن الصراع مبدأ الوجود، فلا وجود لفكر أول مذهب أو إيديولوجيا كاملة أو مطلقة، فقد تصارع الإنسان مع الطبيعة والآلهة والرسل والأنبياء والكهنة والديانات.
وأضاف الهروي في حوار مع “الصباح”، “من هنا كان التناقض بين المسيحية والإسلام مبررا بمنطق النزوع نحو الغلبة والسيطرة. فقد سيطر المسلمون في مراحل تاريخية كثيرة (حرب الصليبية، معركة بواتييه، محاصرة الأتراك لفيينا…)، لكنهم انهزموا أيضا في مواقع كثيرة، كما انتصر المسيحيون أيضا. وقال إن الجميع أدرك عدم جدوى الحرب وضرورة التعايش والتعاون والحوار. “فدعا القديسون والأحبار والفلاسفة إلى أهمية تحقيق السلام وإقامة علاقة عميقة بين المسلمين والمسيحيين، ولنا في ذلك نماذج أمثال “جون لوك” ورسالته في التسامح، و”ليدوين فيورباخ”، و”لابنتز” في كتاباته عن السلم الديني، ولقاء الحسن الثاني مع الحبر الأعظم “يوحنا بولس الثاني” بالدار البيضاء في غشت 1985، ثم لقاء محمد السادس مع البابا فرانسيس وخطابهما لمكافحة التعصب والتطرف والحفاظ على القدس كتراث مشترك لجميع الديانات السماوية.إن الدعوة للتسامح إذن أصبحت في زمانا, أمرا مستعجلا”.
وخلص الباحث إلى أن الدعوة إلى التسامح والتصالح باتت ضرورية اليوم خصوصا أن عالمنا خضع لإشراطات تسعى إلى استعباد الإنسان بخضوعه على أسس العولمة وتيارات الرأسمالية النيوليبرالية المفقرة المبنية على منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
إن العولمة بمفهومها النيوليبرالي المتوحش، حسبه، فرضت العودة إلى الدين والتدين واعتراف العقلانية الغربية بضرورة محاورة الإسلام والتعايش معه والاعتراف بمزايا ثقافته، كما فرضت على عالمنا العودة إلى تبني التحليلات اللا شعورية والاعتراف لأهمية المتخيل واللاوعي وبما جاءت به الدراسات الفلسفية والسوسيولوجية الإسلامية الداعية إلى الاعتراف بالماهيات المخالفة والتصالح معها؛ واعتبار الدين مبدأ لتأسيس اقتصاد نافع للبشرية جمعاء وليس للأقلية وسياسة حكيمة تحفظ حقوق الإنسان وتصون حريته وتدافع عن كرامته الآنطولوجية التي لا تقبل المساومة. فقد أكد “ماكس فيبر” أهمية الدين البروتستانتي في تطور الرأسمالية الغربية والأمريكية الشمالية، كما اعتبر “ريجيس دوبري” الدين محركا ديناميكيا لمجتمع الضعفاء واعتبر أنه لم يعد أفيون الشعوب بل منبه وموقظ ومثير للحماس(كتابه: المقدس الباهر، النار المقدسة).
وقال الهروي إن هذه القواسم المشتركة هي ما يسمح بإمكانية التعايش بين المسلمين والمسيحيين المسالمين النابذين للعنصرية والعنف والتعصب، مؤكدا أن ذلك يتطلب التطبيق الفعلي السوسيولوجي والسياسي لكثير من الواجبات والحقوق لبناء مجتمع إنساني عادل كونيا.
فالدعوة إلى التسامح والتصالح الديني بين الإسلام والمسيحية وغيرهما من الديانات تجد اليوم الفرصة سانحة لتحققها وتجاوز الخلافات والنعرات المتعصبة وانبعاث المشاعر الدينية من جديد في أصلها الإنساني الترابطي والتكاملي الحق. ولعل هذا المنحى السوسيولوجي هو السمة الحقة للمبادئ الإسلامية السامية التي ينبغي على الغرب فهمها، وليس النعرات التعصبية التي عرفت عنده بالإسلاموية.

مصطفى صفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى