fbpx
افتتاحية

تطرف التطرف

وقع المحظور صباح ذكرى المولد النبوي، حين استل هائج سكينه ونحر ثلاثة أبرياء، لا يعرفون بأي ذنب سفكت دماؤهم.
وقع الذي كنا نخاف أن يقع منذ أيام، ونحن نتابع أطوار فيلم للرعب، انطلق من رسم وتصريح وتهييج واستفزاز وعناد، ولا أحد يعرف على أي نهاية سيستقر. فكل النهايات واردة ومفتوحة.
حدث الذي كان ممكنا تفاديه بالعقل والحكمة والرزانة والجدال والحوار بين شعوب وديانات ومعتقدات وأجناس وأقوام، خُلقت كي تختلف وتتعايش (في الوقت نفسه) في دائرة هذا الاختلاف، شرط الاحترام المتبادل وعدم المساس بشعور الآخر وخصوصياته، وعدم إيقاظ النعرات والفتن والكراهيات النائمة.
فما يقع اليوم في فرنسا يعتبر إعلان نعي لموت النموذج الفرنسي في التعايش والحوار بين الحضارات، كما يعتبر انقلابا سياسيا على جمهورية القيم الكبرى، التي انطلقت منذ قرنين وخلفت شهداء وسفكت فيها دماء من أجل إرساء دعائم الحرية والكرامة والعدالة، كما يعد تنكرا لنشيد «لامارسييز»، الذي اعتنقه الوطنيون الفرنسيون، دفاعا عن الثورة.
إن الانتباه إلى غلو الإسلام المتطرف ونوايا الجماعات المتطرفة في فرنسا وامتدادات العناصر الإرهابية، (التي لا تمثل الدين الإسلامي السمح والوسطي والمعتدل)، لم يبدأ مع الرئيس الفرنسي الحالي، حتى يؤلف في شأنه خطابا دست فيه عبارة ملغمة حول «وجود الإسلام في أزمة في الوقت الراهن»، كما لن ينتهي عنده، باعتبار أن هذا النوع من التطرف أضحى ظاهرة عالمية، تجب معالجتها في بعدها الدولي.
فكما لا يمكننا أن نتوانى لحظة في إدانة الفكر الإرهابي، الذي يؤسس قناعاته على القتل وسفك الدماء، ويعتنق لغة التفجيرات والأحزمة الناسفة والنحر، فكذلك لا يمكن التسامح مع أي فكر آخر يبني قناعاته على الاستفزاز والتحريض على الكراهية وإيذاء مشاعر الآخرين وتسفيه رموزهم الدينية، ولف كل ذلك في «سولوفان» حرية تعبير.
فإذا كان مسيرو مجلة «شارلي إيبدو» فقدوا السيطرة على صحافييها ورساميها، الذين يكنون حقدا دفينا للجميع، فإن الغريب حقا أن يسبح رئيس فرنسا، (الذي يمثل جميع الفرنسيين بمختلف توجهاتهم وحساسياتهم) في التيار نفسه من الاستفزاز، حين أعطى موافقته على تعليق رسومات المجلة نفسها (ضمنها المسيئة للرسل)، على واجهات عمارات المدن الفرنسية.
ويعتبر تعليق رسومات الكاريكاتير ثاني خطأ جسيم ارتكبه ماكرون في ظرف أقل من شهر في حربه المشروعة على الإرهاب الديني وعلى الجماعات المتطرفة، التي تتربص بقيم الجمهورية وتريد إحداث دولة وسط الدولة.
إن مخططا بهذا الحجم الذي تدعمه دول ومجموعات ويحظى بالدعم المالي والأسلحة والتدريب، لا يمكن مواجهته باستفزاز مشاعر المسلمين المعتدلين، الذين يعتبرون حليفا إستراتيجيا في هذه الحرب، خسره الرئيس الفرنسي في رمشة عين، حين انضم إلى جوقة المستهترين بالرسول الكريم والتهكم عليه تحت غطاء حرية التعبير.
إن الدرس الذي تقدمه فرنسا اليوم، أنه لا يمكن مواجهة التطرف بالتطرف والغلو والاستفزاز، بل بالتمييز الإيجابي بين معتنقي الإسلام، وعزل العدو وتحديد موقعه بدقة حتى يسهل القضاء عليه.
فهل يقدم الرئيس الفرنسي نقدا ذاتيا..
ويتدارك الموقف؟
أم أن لتصدير الأزمات الداخلية وأجندة الانتخابات حساباتها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى