fbpx
خاص

تقاعد البرلمانيين… حقيقة الريع المعاشي

نظام يتحدى كل قواعد التوازن المالي والإفلاس نتيجة حتمية
أثار موضوع تقاعد أعضاء مجلس النواب نقاشا ساخنا، حول مآل الصندوق الذي يدبر معاشات نواب الأمة، وامتدت التفاعلات لتشمل منصات مواقع التواصل الاجتماعي، إثر تصريح إدريس الأزمي الإدريسي، القيادي بحزب العدالة والتنمية، الذي اتهم المطالبين بإلغاء معاشات البرلمانيين، بالشعبوية، مشددا على أن البرلمانيين ساهموا بأقساط شهرية من أجل الاستفادة من المعاش، نافيا أن يكون الأمر يتعلق بريع، كما يتم تداوله في الوسائط الاجتماعية. وتساءل حول ما إذا كان هؤلاء البرلمانيون سيشتغلون «بيليكي»، أي بالمجان، وتحول هذا المصطلح إلى موضوع للتنكيت بين رواد الأنترنيت.
وتقرر، في نهاية الأمر، تصفية صندوق معاشات مجلس النواب، وتقاعد المستشارين ينتظر المصير نفسه. وتقدم «الصباح» تفاصيل إحداث نظام تقاعد البرلمانيين وطريقة اشتغاله والجهة المدبرة له والأسباب التي أدت إلى تدهور توازناته المالية، مع تسليط الضوء على التركيبة السوسيو مهنية لأعضاء المؤسسة التشريعية.

بدأ الحديث عن إحداث نظام للتقاعد لفائدة البرلمانيين المنتهية ولايتهم، منذ 1987، إذ تم تقديم مقترح قانون بهذا الشأن، لكن الوضعية المالية التي كان يمر منها المغرب آنذاك لم تكن مناسبة لإقرار نظام معاشات ستساهم الدولة في جزء من تحملاته.
وأثار الموضوع من جديد الملك الراحل الحسن الثاني في خطابه لافتتاح الدورة الأولى للولاية التشريعية، خلال 1989، إذ دعا إلى التفكير في إحداث نظام معاشات للبرلمانيين.
وتطلب الأمر أربع سنوات، قبل أن يتقدم مكتب مجلس النواب، نهاية الولاية التشريعية في 1992، بمقترح قانون لإنشاء نظام لمعاشات البرلمانيين. وصادق مجلس النواب خلال السنة ذاتها على مقترح قانون رقم 24.92، يقضي بإحداث نظام المعاشات لفائدة أعضاء مجلس النواب.
وجاء التعديل الدستوري، خلال 1996، ليحدث مجلس المستشارين، وتقدم أعضاء مكتبه، خلال 1999 بمقترح قانون مماثل يقضي بإحداث نظام معاشات لفائدة المستشارين، تمت المصادقة عليه، خلال 1999.  وتقدم مجلس النواب، خلال 2005، بمقترح قانون رقم 35.04، يقضي بتغيير القانون رقم 92.24، بإحداث نظام معاشات لفائدة نواب الغرفة الأولى، يشمل أعضاء مجلس المستشارين.

“من الخيمة خرج مايل”

حدد القانون المتعلق بنظام البرلمانيين قيمة واجبات اشتراك النواب والمستشارين في 2900 درهم شهريا، على أن تساهم ميزانية مجلس النواب والمستشارين بالمبلغ ذاته عن كل نائب أو مستشار. وتقتطع واجبات الاشتراك الشهري من التعويض الممنوح لكل نائب أو مستشار، وتحول المبالغ إلى حسابين بصندوق الإيداع والتدبير، يشرف على تدبيرهما صندوق الإيداع والتدبير للاحتياط، المكلف بتسيير الصندوق الوطني للتقاعد والتأمين والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد.
وهكذا يدفع 395 نائبا بمجلس النواب مبلغ المساهمة المستحق شهريا المحدد في 2900 درهم، في حين يؤدي مجلسا النواب والمستشارين مبلغا مماثلا عن كل نائب ومستشار، ما يجعل القيمة الإجمالية للمساهمات مليونين و 291 ألف درهم في الشهر، و27 مليونا و492 ألف درهم (ما يناهز مليارين و 749 مليون سنتيم) في كل سنة، وهكذا، فإن المساهمات التي يتم تحويلها، خلال ولاية تشريعية، تصل إلى 137 مليون درهم و 460 مليون درهم.
بالمقابل، كان 275 مستشارا، قبل دستور 2011، يساهمون، بدورهم بمبلغ 2900 درهم في الشهر، يضاف إليه مبلغ مماثل تتحمله ميزانية مجلس المستشارين.
وكان من الواضح أن التركيبة المالية للنظامين لن تصمد طويلا، بالنظر إلى أن عدد المساهمين لا يتغير، في حين أن المستفيدين يتزايدون بعد انتهاء كل ولاية تشريعية، خاصة أن النواب والمستشارين يستفيدون من المعاش مباشرة بعد انتهاء ولايتهم، ويستمرون في الاستفادة منه مدى حياتهم، ما يجعل المعامل الديمغرافي دون المستوى المطلوب لضمان الاستمرارية، بالنظر إلى أن عدد المتقاعدين في ارتفاع متواصل، في حين أن قاعدة المساهمين تظل قارة.
وتفاقمت الأزمة أكثر، مع تعديل الدستور، الذي قلص عدد أعضاء مجلس المستشارين من 275 إلى 120 مستشارا، كما أن الاستحقاقات الانتخابية التشريعية، خلال 2017، أدت إلى تغيير 70 في المائة من الأعضاء الذين كانوا في الولاية التشريعية السابقة، الذين يتعين صرف المعاشات لفائدتهم. ونتج عن ذلك عجز النظام عن منح المعاشات للنواب، منذ 2017.
وأشار الصندوق الوطني للتقاعد والتأمين، الذي يشرف على تسيير النظام، إلى أن مبلغ اشتراكات ومساهمات نظام تقاعد أعضاء مجلس النواب وصل، مع نهاية 2019، إلى 27 مليونا و450 ألف درهم، ما أدى إلى استنفاد احتياطات النظام فتقرر إيقاف معاشاته.
وينطبق الأمر نفسه على مجلس المستشارين، إذ لم تتجاوز اشتراكات ومساهمات نظام تقاعد أعضاء مجلس المستشارين، مع نهاية 2019، 8 ملايين و 290 ألف درهم، مقابل 8 ملايير و 400 ألف درهم، في حين وصلت قيمة المعاشات المؤداة، خلال الفترة ذاتها 39 مليارا و 920 ألف درهم، مسجلا عجزا تقنيا بقيمة 31 مليون درهم و 520 ألف درهم، ما يفوق حجم المساهمات بأزيد من ثلاث مرات، وسيلقى نظام تقاعد مجلس المستشارين المصير نفسه ، خاصة مع تقليص عدد المستشارين إلى 120 مستشارا وارتفاع عدد المستفيدين من المعاش.

ربع البرلمانيين تجار
هل بالفعل يوجد بالبرلمان نواب في وضعية اجتماعية هشة؟ سؤال أثير على خلفية ما جاء على لسان إدريس الأزمي الإدريسي، قيادي حزب «المصباح» في رده على المطالبين بإلغاء صندوق تقاعد البرلمانيين، إذ أكد أن هناك بعض البرلمانيين الذين لا يجدون ما ينفقون بعد مغادرتهم قبة المؤسسة التشريعية. وللإجابة عن هذا السؤال، يتعين تسليط الضوء على التركيبة السيوسيو مهنية لأعضاء البرلمان للتحقق من الأنشطة التي يزاولونها ومستوى العيش الذي تتيحه هذه المهن.
وبالرجوع إلى الوثائق المتعلقة بنتائج الاستحقاقات الانتخابية لـ 2016، نجد أنها أفضت إلى تركيبة تتشكل بنسبة 24 في المائة من التجار، أي ربع أعضاء مجلس النواب يزاولون التجارة، قبل ترشحهم للانتخابات التشريعية، ويأتي، بعدهم، العاملون بقطاع التعليم، الذين يمثلون 15 في المائة من العدد الإجمالي للنواب، يليهم الموظفون بنسبة 14 في المائة، والفاعلون في المهن الحرة بالنسبة ذاتها. ويمثل أجراء القطاع الخاص نسبة 8 في المائة، في حين أن 6 في المائة من النواب يشتغلون في القطاع الفلاحي.
ويمثل الموظفون، في ما يتعلق بنواب اللائحة الوطنية، 29 في المائة من العدد الإجمالي للمقاعد المخصصة لهذه اللائحة، والتي تصل إلى 90 مقعدا، يليهم الأساتذة وأصحاب المهن الحرة بحصة 16 في المائة لكل فئة، ما يعني أن الفئات الثلاث تهيمن على 65 في المائة من العدد الإجمالي للمقاعد المخصصة للائحة الوطنية. وتهيمن فئات التجار والأساتذة والمهن الحرة على 56 في المائة من المقاعد المخصصة للوائح المحلية.
ويتضح، من خلال الوثائق الصادرة عن وزارة الداخلية، أن جل البرلمانيين يمارسون مهام تؤمن لهم دخلا يمكنهم من ضمان عيش كريم، ما يجعل الدفع بالوضعية الاجتماعية المتأزمة للبرلمانيين، من أجل الحفاظ على معاش مدى الحياة، مجرد مزايدات تفندها المعطيات الواقعية، المثبتة في الوثائق التي يتقدم بها المترشحون للاستحقاقات ضمن ملفات ترشحهم.

كرم سياسي
تشير المعطيات الصادرة عن وزارة الداخلية، في ما يتعلق بفئات الأعمار للنواب، الذين فازوا في الانتخابات التشريعية لـ 2016، أن 228 نائبا تتراوح أعمارهم بين 35 سنة و 55، في حين تقل أعمال 35 نائبا عن 35 سنة، ويصل عدد الذين تتجاوز أعمارهم 55 سنة إلى 133 نائبا ونائبة.
وهكذا إذا أخذنا فئة النواب الذي تقل أعمارهم عن 35 سنة، فإنهم سيؤدون مساهمات بقيمة 2900 في الشهر لمدة 5 سنوات، أي ما يعادل 174 ألف درهم، طيلة الولاية التشريعية، ما سيمكنهم من الاستفادة من معاش، مباشرة بعد مغادرتهم المؤسسة التشريعية، بقيمة حددت في 5 آلاف درهم في الشهر.
وبالأخذ بعين الاعتبار الأمل في الحياة عند الولادة، التي تحدده المندوبية السامية للتخطيط في 76 سنة، فإن هؤلاء النواب، التي تقل أعمارهم عن 35 سنة، من المفترض أن يتقاضوا 5 آلاف شهريا لمدة تصل إلى 41 سنة، أي مبلغا إجماليا في حدود مليونين و 460 ألف درهم (246 مليون سنتيم).
بالمقابل، فإن أجيرا بالقطاع الخاص، يتقاضى 6 آلاف درهم، يؤدي 268 درهما في الشهر طيلة 35 سنة، ما يعادل مساهمة إجمالية بقيمة 112 ألفا و 560 درهما، سيتقاضى، عند بلوغه 60 سنة، معاشا لا يتجاوز 4200 درهم، لمدة 16 سنة، أخذا بعين الاعتبار مدة الأمل في الحياة، أي 806 آلاف درهم و 400 درهم.
وهكذا سنجد أن البرلماني يؤدي مساهمات تفوق الأجير بحوالي 61 ألفا و440 درهما (أي حوالي 6 ملايين سنتيم)، في حين يستفيد من معاشات تتجاوز ما سيتقاضاه الأجير من معاشه بأزيد من 165 مليون سنتيم.
وهكذا، فإن نظام المعاشات المخصص للبرلمانيين بالمغرب يمكن اعتباره أكرم نظام تقاعد في العالم، ما يجعل إفلاسه مسألة حتمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى