fbpx
خاص

مدونة الشغل … حصيلة 16 سنة

النقابات ترفض استغلال الجائحة لشرعنة الفصل عن العمل تحت يافطة المرونة

شكل اليوم الدراسي، الذي نظمته وزارة الشغل والإدماج المهني، حول مدونة الشغل، مناسبة لمختلف الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين لتقييم حصيلة أزيد من عشر سنوات من تنزيلها.
وكشفت فعاليات اليوم الدراسي عن تفاوت في التقدير بين الحكومة والأطراف النقابية، خاصة في ظل التطورات، التي عرفها عالم الشغل والإشكالات المستجدة مع جائحة كورونا، إذ رفضت المركزيات النقابية سعي الوزارة إلى إدخال تغييرات على المدونة، خارج مؤسسة الحوار الاجتماعي. وتجمع المكونات النقابية على ضرورة مواصلة تطوير وملاءمة تشريع الشغل مع معايير العمل الدولية لضمان العمل اللائق لكل الفئات ومواكبة تنافسية المقاولة الوطنية، عبر مقاربة تشاركية حقيقية، تحقق نموذجا اجتماعيا أكثر إدماجا، وهو ما يدعو، كما قال الوزير، في ختام اليوم الدراسي، إلى استجلاء الصعوبات التي تحول دون التطبيق السليم لبعض مقتضيات مدونة الشغل، وكشف بعض القصور الذي يمكن أن يعتريها من خلال رصد عدد من الأحكام والقرارات والتوجهات، التي أقرها القضاء في محاولة لسد تلك الثغرات وتجاوز قصور النص القانوني.
إعداد: برحو بوزياني

أمكراز: قصور يتطلب التصحيح
أكد محمد أمكراز، وزير الشغل والإدماج المهني، أن دخول مدونة الشغل حيز التنفيذ في يونيو 2004، شكل محطة أساسية وتتويجا لمسار من الاستشارات والمشاورات دامت عدة سنوات، انتهت بصياغة عدة مسودات، قبل إقرار الصيغة النهائية في 2003 بعد أن حظيت بتوافق بين الشركاء الاجتماعيين حول جل مقتضياتها، باستثناء 6 نقط خلافية حسم فيها بالمؤسسة التشريعية.
وأوضح أمكراز أن النص تضمن عددا من المستجدات تجلت في تحديد سقف للتعويضات، سيما التعويض عن الضرر، وإقرار المفاوضة الجماعية، ومقتضيات تتعلق بالنقابات في القطاع الخاص، مع وضع معيار للتمثيلية الوطنية وعلى مستوى المقاولة أو المؤسسة، بالإضافة إلى تقنين آليات المصالحة والتحكيم.
ومنذ 2004، عرف سوق الشغل على المستوى العالمي تطورات كبيرة ومتسارعة، ألزمت منظمة العمل الدولية – باعتبارها الآلية المختصة في مجال العمل- على إعادة النظر في نشاطها المعياري، من خلال مراجعة عدد من اتفاقيات العمل الدولية، سواء عبر إصدار بروتوكولات تكميلية، أو عن طريق إلغاء عدد منها، بهدف الاستجابة للمتغيرات، التي أصبح يفرضها عالم الشغل، وبشكل يتماشى مع المبادئ والأهداف التي سطرتها، من أجل ضمان العمل اللائق في ظل ما نصت عليه من توصيات في ما يعرف بمستقبل العمل.
كما أن حالة الطوارئ الصحية كانت لها انعكاسات سلبية كبيرة على عالم الشغل، إذ تفاقم مؤشر الهشاشة، وتم فقدان العديد من مناصب الشغل.
وفي تقييم لحصيلة الست عشرة سنة الماضية، أكد أمكراز أن المغرب عرف تطورا اقتصاديا ملحوظا، كان له الأثر المباشر على المقاولة الوطنية وعلى طبيعة علاقات الشغل داخلها، كما كانت لانتشار جائحة كورونا، وفرض حالة الطوارئ الصحية، وما واكبهما من حجر صحي وإغلاق لعدد من المؤسسات والوحدات الإنتاجية، آثار سلبية على عالم الشغل، كشفت عن فراغ تشريعي وطني على عدة مستويات، من بينها أحكام مدونة الشغل، سيما المرتبطة بظروف العمل، ومنظومة الحماية الاجتماعية، بالإضافة إلى قصور الآليات القانونية الموضوعة رهن إشارة أعوان تفتيش الشغل في تطبيق بعض المقتضيات القانونية المرتبطة بمجال الصحة والسلامة المهنية.

العلمي: المرونة ستعمق الهشاشة
أكد خالد العلمي الهوير، نائب الكاتب العام للكنفدرالية الديمقراطية للشغل، أن مدونة الشغل شكلت إحدى النقاط المضيئة ومكتسبا اجتماعيا وقانونيا في تاريخ تدبير العلاقات بين أطراف الإنتاج، بفضل حصول قناعة لدى مكونات عالم الشغل بروح المسؤولية الوطنية وثمرة حوار اجتماعي ثلاثي أنتج نصا قانونيا يعتبر متقدما ومتلائما مع المعايير الدولية، في مجال تنظيم علاقات الشغل الجماعية والفردية.
وأوضح العلمي أن المغرب كان بلدا رائدا في المنطقة في التأسيس لثقافة الحوار الاجتماعي، منذ أول اتفاق ثلاثي الأطراف في فاتح غشت 1996، وحقق منذ ذلك الوقت تراكما أفرز توافقا تاريخيا حول مدونة الشغل في 2004.
وأوضح العلمي أن كورونا عرى عن العديد من أوجه الأزمة البنيوية على كل المستويات، وأظهر هشاشة الاقتصاد الوطني وتبعيته المفرطة للخارج، وضعف منظومة الحماية الاجتماعية وقصورها في أداء أدوارها، وعجز البنيات الصحية وعدم قدرتها على استيعاب العدد المتزايد من الإصابات، بالإضافة إلى الإشكاليات المرتبطة بمنظومة التربية والتكوين المكرسة للتفاوتات، وضرب مبدأ تكافؤ الفرص.
وأكد المسؤول الكنفدرالي أن النقاش حول مدونة الشغل يجب أن ينطلق أولا من سؤال من يخرق مقتضياتها، ومن لا يسهر على تطبيقها، مشيرا إلى أن المؤشرات الموضوعية التي تنتجها المؤسسات الرسمية تؤكد أن علاقات الشغل تتسم بالهشاشة الواسعة وسيادة اللاقانون.
وأوضح العلمي أن 6 أجراء من أصل 10 لا يتوفرون على عقد الشغل، و 24 % فقط منهم يتوفرون على عقود غير محددة المدة، التي من المفروض أن تشكل قاعدة للعلاقة الشغل التعاقدية، ناهيك عن أن أربعة أجراء من أصل 6 ( 40%) يعملون أكثر من 48 ساعة أسبوعيا، رغم أن المدة القانونية للعمل محددة في 44 ساعة.
وحمل العلمي المسؤولية في استفحال مظاهر خرق القانون وتسريح العمال وعدم احترام حقوقهم الأساسية للمشغلين، في ظل تضييق متزايد على الحريات النقابية، إذ أصبح تأسيس مكتب نقابي مرادفا للطرد من العمل، وكأنه خطأ جسيم، بالإضافة إلى ظاهرة التهرب من الالتزامات الاجتماعية من قبل المشغلين، من خلال عدم التصريح بالعمال لدى الصناديق الاجتماعية وحرمانهم من حقهم في الحماية الاجتماعية.
إن هذه الوضعية التي تعرفها علاقات الشغل، يقول العلمي، تؤكد أننا نعيش هشاشة مزمنة، وأن البحث عن المزيد من المرونة، سيعمق أكثر الأوضاع الاجتماعية المزرية للطبقة العاملة وتكريس الهشاشة واللاحقوق، وأن المسؤولية تقتضي أولا الالتزام باحترام القوانين الاجتماعية، سواء مدونة الشغل أو القوانين المؤطرة للحماية الاجتماعية.
إن أغلب الاحتجاجات والإضرابات، يقول العلمي، هي نتيجة عدم تطبيق مقتضيات مدونة الشغل، وقد عمق سياق الجائحة وتداعياتها وضعية الهشاشة في سوق الشغل، بعدما فقد أكثر من 600 ألف عامل مناصب عملهم، بالإضافة إلى البطالة الجزئية، خاصة بعد أعطت الحكومة الضوء الأخضر لتسريح عامل واحد من أصل 5 عمال.
إن الكونفدرالية ترفض أي مس بالمكتسبات الاجتماعية للطبقة العاملة، وتعتبر أن مدونة الشغل كانت ثمرة مقاربة توافقية وتشاركية في إطار الحوار الثلاثي الأطراف واعتمدت التوازن بين مصالح أطراف الإنتاج، كما ترفض
محاولة فرض وتمرير تشريعات تمس حقوق ومكتسبات الطبقة العاملة والحركة النقابية، مجددة التأكيد على ضرورة تصحيح المسار الخاطئ والعودة إلى طاولة الحوار الاجتماعي الثلاثي الأطراف، وخلق شروط إنجاحه للوصول إلى توافقات إيجابية، بدل لقاءات الخطب والقرارات الجاهزة.

المخارق: مقتضيات مجمدة
أكد الميلودي المخارق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، أن توقيت طرح موضوع المدونة للتقييم، يثير العديد من الاستفهامات، خاصة أن العديد من مقتضياتها أصبحت مجمدة تحت ذريعة أزمة “كوفيد 19″، التي كانت لها تداعيات صحية واقتصادية واجتماعية، في ظل محدودية المنظومة الصحية، خاصة على العمال والأجراء، نتيجة الركود والشلل الاقتصادي الذي لحق بشكل أكبر مجموعة من القطاعات المشغلة لليد العاملة.
وتوقف المخارق عند أعداد العمال، الذين فقدوا مناصب عملهم، ومورد رزقهم، بسبب التسريحات الجماعية، مشيرا إلى أن ما يقارب 600 ألف أجير توقفوا عن العمل، حسب آخر التقارير الرسمية.
ورغم المجهودات التي بذلت لمواجهة التداعيات في إطار صندوق التضامن، كالتعويض عن جزء من الدخل، يقول المخارق، إلا أن تدبير الأزمة من الناحية الاجتماعية، في ما يخص عالم الشغل، لم يتم التعامل معه بالمسؤولية اللازمة، بل الأنكى من ذلك، تم استغلال هذه الظرفية العصيبة لمحاولة تمرير قوانين مجحفة في حق الطبقة العاملة، في غياب المقاربة التشاركية، وفي مقدمتها القوانين التراجعية، المتمثلة في مشروع قانون الإضراب ومشروع قانون النقابات المهنية.
وتساءل الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل عن الدوافع الحقيقية لتنظيم يوم دراسي حول مدونة الشغل، في ظرفية استثنائية، مؤكدا أن هناك توجيها ضمنيا لاستنتاج خلاصات وتوصيات ستركز على ضعف مدونة الشغل، وعدم قدرتها على الاستجابة لمثل هذه الظرفية، والدعوة إلى مراجعتها لإدخال الهشاشة في عالم الشغل، وشرعنة الفصل عن العمل تحت يافطة ما سمي المرونة.
وجوابا عن أسباب عدم تفعيل كل مقتضيات المدونة، أوضح المخارق أن الواقع أكد غياب الإرادة السياسية في تطبيق مضامينها، علما أن جزءا منها لا يكلف المقاولات أي ميزانية، مشيرا في هذا الصدد، إلى غياب لجان حفظ الصحة والسلامة المهنية في أغلب المقاولات، رغم إلزاميتها، إذ أن 26% فقط منها تتوفر على هذه اللجن، رغم أهميتها، وغياب لجان المقاولة في العديد من المؤسسات، رغم دورها الكبير في مأسسة الحوار ومواكبة المقاولة، ولا تكلف هذه الآليات المؤسساتية والقانونية أي ميزانية للمقاولة.
وأوضح المخارق أن حوالي 35 %من الإضرابات راجعة إلى عدم احترام مقتضيات مدونة الشغل، علما أنها تشكل حدا أدنى للحقوق العمالية، مشيرا إلى أنه بالإمكان تطوير علاقات الشغل من خلال اعتماد سياسة تعاقدية عبر الاتفاقيات الجماعية، كما هو الشأن في تجارب رائدة في مجموعة من الدول.
وخلص المخارق إلى أن الاتحاد المغربي للشغل لا يقبل استغلال الأزمة الناجمة عن الجائحة لتمرير مشاريع قوانين تراجعية ليست من أولويات البلاد، ودون أي حاجة ماسة إليها، ودون أي مبرر لوجودها، كما هو شأن مشروع قانون النقابات، في وقت خصصت له مدونة الشغل أكثر من 30 مادة، فصلت في كل ما يتعلق بالنقابات المهنية من التأسيس إلى المراقبة المالية وإلى التدبير والتسيير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى