fbpx
بانوراما

صــراعــات ســيــاســيــة

سيرة طبيب مخضرم (الحلقة الأخيرة)
غادرنا البروفيسور أحمد بورا، في عز الحجر الصحي، وناب الهاتف، عن الحضور في عزاء رجل، عرف سياسيا ومهنيا، وكانت له حكايات نجاح داخل الوطن وخارجه. بورا الطبيب ورئيس الجمعية ديرماستيك، عرف أيضا في المجال السياسي، إلى جانب رفاقه في حزب علي يعتة ثم الاتحاد الدستوري… “الصباح” تختار لكم مشاهد من مشروع مذكرات مازال مسودة أعدها الراحل قبل رحلته الأخيرة ومازالت بيد الأبناء يفكرون في طريقة إخراجها للأضواء…
إعداد: المصطفى صفر

اخترنا العمل السري في الحزب الشيوعي
كانت البلاد حينها تغلي تحت مرجل الاحتقان السياسي. وبإعلان الاتحاد الوطني لطلبة المغرب عن مقاطعته لأول دستور مغربي طرح للاستفتاء يوم 7 دجنبر 1962، كان قد فتح باب المواجهة مع النظام على مصراعيه. وأججت المنظمة الطلابية الجانحة بقوة للمعارضة نيران صراعات سياسية عرَضت العديد من القياديين والنشطاء إلى حملة اعتقالات واسعة.
ويمكن إيعاز أمر هذا التوتر إلى قرار صدر سنة 1960 قضى باستثناء الحزب الشيوعي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية من أشغال المجلس الدستور، الذي أجهضت أعماله وانسحب أعضاء أحزاب الحركة الشعبية بقيادة المحجوبي أحرضان، والدستور الديمقراطي بقيادة محمد حسن الوزان، والأحرار المستقلين بقيادة أحمد رضى كديرة، احتجاجا على تعيين علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال رئيسا عليه.
وما زلت أذكر أن شمعون ليفي، رئيس متحف الثقافة اليهودية بالمغرب، ذاك المناضل الغيور، الذي خاض مع الزعيم علي يعته رحلة الكفاح الوطني، هو من جذبني في تلك السنوات الحرجة من تاريخ البلاد للانضمام إلى الحزب الشيوعي في سن مبكرة.. بالفعل لم يكن ذلك من جهته، استقطابا لشاب متحفز مفعم بالحيوية التقطه حدس شمعون ليفي، أستاذه في اللغة الإسبانية بثانوية مولاي الحسن، ولا كان من جهتي اختيارا مدروسا، وإنما هي فراسة وعين ثاقبة هدتني إلى اكتشاف المعادن النفيسة في الرجال.
كانت خلية الحزب تعج بمناضلين لا تنشطر لهم مواقف ولا تتفكك لهم عزيمة ولا يخشون في الدفاع عن قضايا الشعب لومة لائم.
ومن خيرة الشباب الحديث العهد بالالتحاق والذي أصبح مع توالي الأيام من الأعضاء الفاعلين والمؤثرين، أخص بالذكر الرفيق الرئيس المدير العام السابق للقرض العقاري والسياحي، ووزير التشغيل والتكوين المهني عبد الواحد سهيل، والمحامي الراحل الأستاذ محمد أنيق، والأستاذ الشرقي بالعبدي الملالي.
انخرطنا في حزب محظور قضائيا منذ 1959، وقبولنا شبابا متشبعا بالأفكار الاشتراكية اختيار العمل السري الذي سلكه الحزب، سرية ظلت جاثمة على أنفاس قياداته ومناضليه وعلى تحركاتها زهاء عقد من الزمان إلى حين ميلاد حزب التحرر والاشتراكية. حزب هو الآخر لم يسلم من الحظر بعد سنة واحدة فقط من إعلان نشاطه، ولم يتحرر من قيود المنع التي ضربت عليه حتى 1974 تاريخ تأسيس حزب التقدم والاشتراكية.
رغم حملة تضييق الخناق على العناصر الطلابية، التي تعلن تبنيها أفكار قوى اليسار التقدمية، استطعنا أن نعبر حاجز السنة الجامعية الأولى بنجاح. وما زلت إلى اليوم أعتبر ذلك الحاجز الأعند والأقسى في مسار تعليمي عال، لكن السنتين المواليتين لم تكونا بأهون ولا أسلم من سابقتها.
في ذكرى رحيل الزعيم علي يعته أو “السي علي” كما يحلو لمناضلي حزب التقدم والاشتراكية تسميته، قلت عن هذا الرجل إنه كان نموذجا للوطني المنفتح والسياسي المتبصر والمناضل الكبير الذي بدأ كما انتهى رمزا من رموز الحركة الوطنية وشخصية فذة تركت بصمات خالدة في سماء النضال والسياسة. ففي 1964 سأجد نفسي ممثلا للشبيبة الشيوعية التقدمية في موسكو ضمن مؤتمر الشباب الشيوعي، وكان ذلك باقتراح وإصرار من علي يعتة.
ورجعت بمخيلتي إلى الوراء، وبالضبط ما بين السنوات 1964 و1971، عندما كان مسؤول الحزب في الخلية بالحي الجامعي بالرباط، كانت العلاقة بيننا قائمة ومستمرة، قبل أن تخفت وتيرتها بسبب رحلتي الدراسية إلى الديار الفرنسية، وعادت العلاقة إلى سابق قوتها بمجرد عودتي إلى البلاد بعد إتمام تكويني في مجال الطب والتخصص في الأمراض الجلدية والتناسلية والتجميل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى