fbpx
بانوراما

عائد من جحيم صدام … مصباح حب في ظلام الزنزانة

عائد من جحيم صدام 9

بدأت الحكاية في اليوم الأول من مارس 1991، كان الأفق معتكرا بلون الغروب، ودخان حرائق آبار النفط العراقية، ما أضاف كآبة إلى كآبة الشارع البصري، الذي كان متوترا وينذر بعاصفة قوية، زادته حالة الجنود المأساوية، عنفا ولهيبا وحماسا. هكذا وجد نفسه قاسم البريسم، الدكتور والأستاذ الجامعي، الذي ترك خلفه مسارا أكاديميا مميزا بجامعة “إكستر” البريطانية، ليقرر في لحظة ضعف عاطفية العودة إلى بلده العراق، منتصف الثمانينات، ويعايش فظاعات ما تبقى من سنوات الحرب مع إيران، قبل أن يقرر صدام حسين الزج بالشعب العراقي في مواجهة أخرى بعد غزوه الكويت مطلع التسعينات. عبر هذه الحلقات نسافر بكم عبر تجربة من داخل سجون الرضوانية، حيث كان محكوما عليه بالإعدام، قبل أن ينجو من الموت بأعجوبة، وتكتب له حياة جديدة استجمع فيها تفاصيل ما جرى، لنستعيدها معكم على لسانه.
إعداد: عزيز المجدوب

نفَس طائفي مريض كان يحرك مسؤولي “الرضوانية”

غصنا في بحر من الرعب، بحثت في خارطة الكون وسجل الانسان، وفي عالم الحيوان والطبيعة. فلم أجد تصنيفا لهم، فحتى عالم الحيوان فيه لحظات تردد، وعطف، وشبع، فهي لا تبطش إذا شبعت، أما هؤلاء فيبطشون في الشبع والجوع. لا أعرف أين نصنف هؤلاء في عالم الإنسان المتحضر؟ ابحثوا معي اليوم وغداً، في أعماق التاريخ، وفي معاجم السفاحين والمجرمين، وفي جروح الانسانية.
كانت ملامح الجوهرة ترتسم في جدران الزنزانة، تضيء لي طريقي الدامس وكأنها ضوء مصباح.ابتسامتها لا تفارق ذاكرتي، تزرع الأمل في نفسي من أجل البقاء حيا والصمود والإنتصار على الموت المتوقع . تذكرت وأنا في لجة تلك الأفكار والتداعيات، ما قاله ماركيز في آخر كلمات روايته ” الحب في زمن الكوليرا ” أنني ما أزال أفكر فيها منذ سنين”.
هربت من حفرة الموت بأعجوبة، بالذكاء مرة، بالوساطة والرشوة مرة أخرى. حفرت ذكريات معاناتنا وآلامنا في ذاكرتي دون ورقة وقلم، حتى لا تفارقني تحت السياط، بعدها كتبتها بكتاب بالعربية والانجليزية، بعد هروبي عبر الصحراء إلى الأردن ثم إلى بريطانيا.
كنت أستحضر عرض بروس أنغام في العمل معه في جامعة لندن، كلما مرت بيّ المحن، السجن، التعذيب، ظلام الزنزانة، لكنه الوطن، المتجذر في عروقي، ورواسب ريفيتي الجميلة، وحبي للشط والنخل، التي قتلت رغبتي في البقاء في بريطانيا، في الوقت الذي بقي من كان يناضل بالكلمات من أعضاء حزب البعث، و يتهمونني بشتى التهم.
كنت استحضر عامل البناء في الجامعة، الطالب، المعيد، الأستاذ قيالجامعة، المعارض الذي يعود للوطن، ويحتضن جدرانه. الوطني من يعود إلى العراق في ظل الحرب العراقية الإيرانية، هكذا رفع حزب البعث، شعارا قي الخارج. فر المئات من هذا الشعار، وكانوا يدعون الوطنية بالكلام .
ولمسنا منذ أول يوم وصلنا فيه إلى سجن “الرضوانية»، أن هناك نفسا طائفية مريضا بين مسؤولي السجن، يحرك مشاعرهم ويغذي أفكارهم تجاهنا. وقد انعكس هذا في سلوكهم ضدنا، وفي عبارات السب والشتم، والطعن بأعراضنا وشرفنا.
وهذا النفَس هو نفسه الذي ظهر في إعلام النظام العراقي إبان الانتفاضة، والحقيقة أن هذا النفس لم يتوقف عند الأيام الأولى لوصولنا، أو عند حدود معينة، بل أفرزت وقائع الأيام اللاحقة.
كما أن الطائفية بين مسؤولي الرضوانية، قد حفرت أخاديد لها في نفوسهم وعقولهم، وتشربت في دمائهم، بعد جهود طويلة من التدريس والغسل الدماغي في مدارس خاصة، كان من أهدافها تلك الحملة الموجهة ضد الشيعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى