fbpx
حوار

السعيدي: العدالة تعيش تأخرا تاريخيا

رئيس ودادية موظفي العدل قال إن الجائحة أبرزت ضرورة إعادة النظر في موقع وزارة العدل في ميثاق اللاتمركز الإداري

ربط عبد الصادق السعيدي، رئيس ودادية موظفي العدل، ما يعيشه القطاع بالأزمة، التي أثارها مشروع التنظيم القضائي وطبيعة النقاش التي تعبر عن حالة التعارض بين التحديث والحداثة في بنية الفكر الإصلاحي من داخل منظومة العدالة. وتساءل السعيدي في حوار مع “الصباح”، عن إمكانية تصور مشروع إصلاحي يتجه نحو مسار مفصلي متعلق بإنجاز المحاكم الرقمية أمام عدم قدرة الإدارة القضائية على إعادة النظر في نمط تسييرها التقليدي، وعدم قدرتها على تسهيل إجراءاتها ومساطرها وإعادة النظر في اختصاصات مكوناتها، وفق المتطلبات الجدية لتأهيل محيطها الاقتصادي والاجتماعي؟
في ما يلي نص الحوار:

أجرت الحوار: كريمة مصلي

< ما هي قراءتكم اليوم لحالة التوترات التي يعرفها القطاع أو ما بات يعرف بأزمة المحامين وكتاب الضبط؟
< بحلول ماي لهذه السنة تكون قد مرت ست سنوات على حدث مهم وتاريخي يؤسس لبناء علاقات مهنية واجتماعية جديدة تدفع نحو التفكير في تقاليد مهنية مشتركة وفي رسم خطوط الهوية المشتركة، 24 ماي 2014 ستشكل نقطة تحول داخل جسم العدالة بتأسيس الملتقى الوطني لمنظومة العدالة فضاء للتواصل والتشاور والتنسيق وتبادل الخبرات والمعارف، وإطارا لحل المشاكل الطارئة ومواجهة إكراهات العمل اليومي والمشترك داخل منظومة العدالة وميدانا للعمل في سبيل تحقيق الأهداف المشتركة بما يخدم العدالة ويدعم ضمانات الاستقلال والنزاهة والنجاعة، وهو المشروع الذي تم تجميده للأسف ضدا على إرادة جل المكونات بعد أن كنا قد أطلقنا بشكل جماعي تأسيس هياكله على مستوى الدوائر القضائية الاستئنافية.

< أي سياقات لهذا التجميد لإطار من هذا الحجم؟
< بعد تأسيس الملتقى الوطني لمنظومة العدالة، والذي يضم كل الإطارات الجمعوية والتمثيليات والهيآت المؤثرة جدا والمكونة لجسم العدالة (جمعية هيآت المحامين بالمغرب، الودادية الحسنية للقضاة، نادي القضاة، النقابة الديمقراطية للعدل، ودادية موظفي العدل، الهيأة الوطنية للموثقين، الهيأة الوطنية للعدول) انطلقت سلسلة من المشاورات بين المسؤولين عن هذه الهيآت توجت بإطلاق دينامية تنظيمية على مستوى الدوائر القضائية من جهة، والتي من أدوارها الأساسية التواصل والتشاور والتنسيق وتدبير النزاعات، ومن جهة أخرى انطلقت دينامية أخرى مرتبطة بالإعداد للمناظرة الوطنية حول إصلاح العدالة، والتي انعقدت يومي 27 و28 فبراير 2015 تميزت بحضور وازن ونوعي لكل أطياف المنظومة القضائية، على نحو ساهم في إنتاج نقاش نوعي مؤطر بالمزاوجة بين تطلعات مختلف مكونات جهاز العدالة وانتظارات المواطن المغربي، وتوجت هذه المناظرة بإصدار بيان اعتبر من خلاله المشاركون والمشاركات النقاش الجدي والواعي، الذي طبع أعمال التظاهرة امتدادا طبيعيا ومتميزا لإسهامات نساء ورجال المنظومة القضائية في بلورة مشروع إصلاحي متوازن وفعال لمنظومة العدالة ينطلق من التراكمات التاريخية، التي حققها الشعب المغربي بكل فئاته ومشاربه في مسار توطيد أسس عدالة قوية ومستقلة وناجعة منفتحة على الدمقرطة والتحديث. للأسف هذه الدينامية التي كان من الممكن أن تلعب أدوارا متميزة تمكن الفاعلين المهنيين من المساهمة بقوة في إنعاش مشروع الإصلاح في القطاع والخروج من حالة التأخر التاريخي، التي يعيشها، واحتواء حالات التوتر بين مختلف المكونات سيتم إجهاضها بعد مؤتمر جمعية هيآت المحامين بالمغرب، رغم كل المبادرات التي تمت لإعادة الروح للمنتدى.

< ألا ترون أن استعمال وصف حالة القطاع بالتأخر التاريخي يتضمن نوعا من المجازفة على مستوى التحليل أو بعضا من حكم القيمة؟
< إن حالة التأخر هذه تنطوي على معنى نهضوي، ذلك أن الخصوصية التي شكلت امتيازا تاريخيا للعدالة وساعدت مكوناتها على الحفاظ على وجودها، رغم الحجم الهائل من الصعوبات والتحولات المجتمعية، فإنها غدت من منظور تاريخي عقبة أمام انتقال مرفق العدالة إلى الانفتاح الفعلي على التحديث والدمقرطة، مما يجعلنا أمام سؤال محوري، هل يمكن لقطاع يعيش حالة من الفوات بفعل استبعاده لعقود من الزمن من عوامل التأثير والتأثر المجتمعي توهم إمكانية دخول العصر دون إحداث قطائع مع طبيعة إبستمولوجية دافعة للحسم مع مختلف العوائق الثقافية وتصفية بنيات الفكر التقليدي، وإلا فسنكون كما نحن الآن أمام مؤسسات قضائية منفتحة على الآلة والرقمنة والتطبيقات وعاجزة في الوقت نفسه عن التواصل واستيعاب المضمون الثقافي للتحديث، إن الأزمة التي أثارها مشروع التنظيم القضائي وطبيعة النقاش حوله تعبير عن حالة التعارض بين التحديث والحداثة في بنية الفكر الإصلاحي من داخل منظومة العدالة.

الإدارة القضائية مطالبة بالتغيير

هل يمكن تصور مشروع إصلاحي يتجه نحو مسار مفصلي متعلق بإنجاز المحاكم الرقمية أمام عدم قدرة الإدارة القضائية على إعادة النظر في نمط تسييرها التقليدي، وعدم قدرتها على تسهيل إجراءاتها ومساطرها، وإعادة النظر في اختصاصات مكوناتها وفق المتطلبات الجدية لتأهيل محيطها الاقتصادي والاجتماعي، إن إدارة غير مؤمنة بإشراك مكوناتها في موقع القرار وغير قادرة على التشبع بمبادئ التدبير الديمقراطي بفعل تشبعها بفكر تقليدي متقوقع على نفسه ومتمسك بمنهج قديم، لن تقوى على تبني أساليب حديثة في التدبير تضمن ترشيد اتخاذ القرارات وتحقيق المردودية، من خلال الاستثمار العقلاني لكافة الموارد المتاحة واستبعاد القوالب، التي تفشل الإبداع والابتكار وستظل بعيدة عن التجاوب مع متطلبات المرتفقين وتنوع الطلب الاجتماعي بالنظر للنقلات العميقة التي يعرفها المجتمع.
لقد أعاد دستور 2011 الاعتبار للخدمة العمومية من خلال العمل على تحسين مستوى أداء المرفق العام عبر تجديد علاقته بالمرتفق، علاقة تنبني على مبادئ أساسية تم الارتقاء بها إلى أسس دستورية وتتجلى في ترسيخ ثقافة المساواة والمسؤولية في التدبير وجعل المرتفق في صلب التحول بإتاحة الفرصة له لتفعيل دوره الرقابي والتقييمي للأداء عبر إبداء ملاحظاته، ضمانا لسرعة وشفافية أكثر في تلبية الخدمات. أعود هنا لأقول إذا غابت روابط الثقة بين المكونات وأسس التعاون والإشراك وترسيخ ثقافة المساواة والاعتراف المتبادل بينهم، كيف يمكن حينها الارتقاء بالإدارة القضائية لتسهم في تمكين المواطن من قضاء مصالحه في أحسن الظروف والآجال وتبسيط المساطر، إنها أحد تجليات حالة الفوات والتأخر.

هذه شروط إصلاح منظومة العدالة

إصلاح منظومة العدالة رهين بثلاثة شروط جوهرية وحاسمة، وإذا لم تتحقق نكون بصدد المزيد من هدر زمن الإصلاح وتحمل نتائج كلفته. أول هذه الشروط حصول توافقات مجتمعية كبرى حول خطة الإصلاح وعناوينه، ولقد تابعنا جميعا مآلات الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة، والذي رغم ملاحظاتنا عليه شكلا ومضمونا، والتي أبديناها في حينها وحددنا موقفنا منها ووجهنا رسالة مفتوحة لكل الشركاء وللرأي العام. إلا أن نتائجه وخلاصاته ومضامينه سرعان ما تم الانقلاب عليها ضدا على مخرجاته، مع أنها ملزمة أخلاقيا لكل مؤسسات الدولة والمجتمع ما دمنا أمام حوار مجتمعي، والشرط الثاني الذي لا يقل أهمية عن الأول، يتمثل في الإشراك والتعبئة الفعلية لكل الفاعلين المهنيين ولجميع مكونات أسرة العدالة، أما الشرط الثالث والحاسم في موضوع الإصلاح يتعلق بتغييب الشروط الثقافية لإصلاح منظومة العدالة، وما نعيشه اليوم هو نتيجة لعدم الوعي بأهمية السؤال الثقافي، وهذا الذي جعل اليوم منظومة العدالة وموضوع الإصلاح ضحية مفارقة الزمن السياسي والزمن الموضوعي، ذلك ان الزمن السياسي لما بعد فبراير 2011 دفع إلى إحداث تحولات كبيرة وتاريخية بحجم التحول الدستوري، الذي وقع على مستوى منظومة العدالة في ظل سياق غير صحي للمنظومة لتزداد حدة المفارقة بغياب المصاحبة البيداغوجية لعملية الإصلاح.

إعادة النظر في موقع وزارة العدل

العدالة بدورها لن تسلم من آثار الجائحة، التي سيكون لها تأثير قوي على أقوى مرفق من المرافق العامة، لقد قامت وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة مؤسسات بأدوارها لضمان الصحة والسلامة لمختلف العاملين بمرفق العدالة، لكن الجائحة أبرزت ضرورة إعادة النظر في موقع وزارة العدل في ميثاق اللاتمركز الإداري، باعتباره لا يهم فقط نقل مجموعة من الاختصاصات والسلط من المركز إلى المصالح اللاممركزة، بل بتحول هيكلي في بنية النظام الإداري من خلال تخويل المصالح اللاممركزة صلاحيات في مجال التدبير المالي أساسا في ظل الجائحة, فضلا عن إعداد وتنفيذ البرنامج القطاعي وتدبير الموارد البشرية، وهو ما سيمكن من إحداث قطيعة حقيقة مع نظام المركزية وتمركز اتخاذ القرار على مستوى الإدارة المركزية.

الجائحة أبرزت توترا بين المؤسسات

استطاعت الجائحة أن تبرز حالة التوتر غير المعلنة بين المؤسسات والمكونات، وهوما يفسر الكم الهائل إلى حدود التخمة من البلاغات والدوريات والرسائل المتضاربة أحيانا بين المؤسسات، وبروز نوع من الاستباقية غير المفهومة بين مختلف المؤسسات، كما أبرزت أيضا بعضا من التوتر المجاني بين مكونات العدالة، الشيء الذي يستوجب منا نقاشا يقوم على خلق الثقة ونسج العلاقات وبناء قيم وتقاليد مشتركة تسهم في الارتفاع من مستوى المشاعر المهنية الفئوية، إلى بناء المشروع المهني، بما ينطوي عليه ذلك من أساس ديمقراطي لهذا البناء ومن وعي بمفهوم الاعتراف بحمولته الفلسفية والسيكولوجية والأخلاقية والاجتماعية وبما يترجم ضرورة مشاركة مختلف المكونات في الإنتاج .
إن الحاجة إلى الاعتراف بتعبير دوركاريم نتاج بناء اجتماعي يتحدد حسب البيئة، ذلك أن أهمية الاعتراف الداخلي في سياقنا المهني يقوي تضامن مكونات المنظومة وتعاونها وتقاسمها الأعباء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق