fbpx
افتتاحية

للصبر حدود

لا أحد يعلم ما تهيئ له الحكومة، الأسبوع المقبل، بخصوص سريان مفعول حالة الطوارئ الصحية، لكن يمكن القول، دون تردد، إن الوضع، بشكله الحالي، استنفد، موضوعيا وعمليا، كل إمكانيات استمراره في الأيام المقبلة، وآن أوان التدخل، من أعلى مستويات القرار السياسي، لتعديل الخطة، أو تغييرها ما أمكن، مع الحفاظ على مكتسبات المرحلة السابقة من الحجر الصحي وتثمينها.
إن الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحجر الصحي لم يعد خيارا، بل ضرورة حتمية، للتخفيف من حدة الاحتقان النفسي والاجتماعي، الذي أضحت تعانيه، اليوم، الأغلبية الساحقة من المواطنين “المعتقلين” منذ أكثر من 60 يوما في منازلهم، في التزام تام بتدابير الحجر الصحي، وكثير منهم يرددون “واك واك أعباد الله عييينا”، ويتطلعون إلى نصف قرار من الحكومة لإنهاء هذه المأساة، تفاديا لانفجار محتمل.
كما يشكل الانتقال إلى ما بعد الحجر الصحي ضرورة حتمية، أيضا، لإعادة الروح إلى الحياة الاقتصادية، وإنقاذ البلد من سكتة قلبية وشيكة، إذ سيكون من قبيل الانتحار استمرار الدولة، إلى ما نهاية، في تغطية العجز الاجتماعي الناتج عن توقف عجلة الاقتصاد، علما أن ما يصرف، اليوم، لبعض المواطنين لا يكفي لسد الرمق، كما أن استثناء أرباب المقاولات من الدعم يوسع دوائر الإفلاس ويضخم لوائح الملتحقين بصفوف العاطلين، ويرفع نسبة البطالة إلى أكثر من 11 في المائة.
صحيح أن المغرب يدبر أصعب مرحلة في مواجهة جائحة كورونا، وهي الانتقال من وضع الإغلاق شبه الكلي للحياة الاجتماعية والاقتصادية، إلى وضع الرفع التدريجي للقيود على المواطنين والسلع والتنقلات، لكن لا يوجد أي خيار، اليوم، إلا الشروع في هذه المرحلة الجديدة، بكل احتمالاتها وسيناريوهاتها وتوقعاتها، التي تبقى أخف ضررا من الوضع الحالي.
وفي الوقت نفسه، فإن أي تفكير في الإبقاء على الوضع على ما هو عليه أشهرا أخرى، استنادا، فقط، إلى المقاربة الصحية، التي تميل إلى التخويف والتهويل ورسم صورة مبهمة عن الحالة الوبائية لانتشار الفيروس وتطوره، لن يكون مجديا في كل الأحوال.
ففي جميع الدول التي ذاقت ويلات جائحة كورونا، كان الرأي الطبي للاستئناس فقط، وفي رتبة ثالثة أو رابعة، في المقابل، هناك معطيات أخرى أساسية، منها الوضع الاقتصادي للبلد ومؤشرات صموده، والوضع العام للسكان على المستويين الاجتماعي والنفسي، ثم جاهزية البنيات الصحية في حال تفشي موجات جديدة من الوباء.
فالجميع يعرف أن الفيروس باق معنا إلى وقت قد يطول، أو يقصر، وبالتالي وجب التعامل مع الواقع كما هو بالضبط، عبر إيجاد مخارج للتعايش مع الوضع الحالي والخروج لمواجهة المشاكل في الميدان، بدل الاكتفاء بالحل السهل، أي الاختباء إلى حين مرور العاصفة، تماما كما تفعل النعامة، التي تكتفي بحماية رأسها، بينما تترك جسمها كله في “العراء”.
إن السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي يمر منه المغرب صعب جدا، ويفرض قرارا سياسيا من المستوى نفسه، لإيجاد صيغة مثلى للمرحلة المقبلة، تنطلق من مكتسبات الحجر الصحي، لكن تنظر إلى المستقبل.
إن الوقت لا يرحم في ظروف مماثلة.
للصبر حدود، أيضا، لا يمكن تجاوزها.
فإما أن نكون في مستوى اللحظة…
أو ننتظر الكارثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق