fbpx
بانوراما

التاريخ السري للشبيبة الإسلامية 5 … مطيع الاتحادي

الدولة كانت متسامحة مع الشبيبة الإسلامية ومنشغلة بالتيار اليساري المتطرف

يهدف عبد الرحيم مهتاد، أحد رموز تنظيم الشبيبة الإسلامية، من خلال هذه الحلقات، توجيه رسائل إلى الشباب المغربي، مفادها ضرورة التعامل بذكاء وحذر مع رسائل الاستقطاب من أي تنظيمات سياسية أو دينية أو أجهزة أجنبية، لتفادي المصير الذي عاشه رفقة باقي أعضاء التنظيم.
يؤمن مهتاد بفكرة أن «اللعب» مع هذه الأجهزة والتنظيمات المتطرفة، يشبه رمي الصياد الطعم في صنارته للسمكة، إذ أنها تتمهل في أكلها، ولما تقع في الفخ، تكون أمام ثلاثة احتمالات صادمة، إما أن تؤكل أو يتم الاحتفاظ بها في مجمد لمدة طويلة، أو تستعمل طعما للإيقاع بفرائس أخرى.
مصطفى لطفي

تأسيس الشبيبة الإسلامية، أتى نتيجة مخاض عسير عرفه الوطن العربي بعد نكسة يونيو 1967، إذ تم الأمر على يد عبد الكريم مطيع، مفتش في التعليم، شارك في المقاومة الوطنية ضد الاستعمار. شخص له ماض حافل مع جميع الأطياف السياسية المغربية وقتها، ساهمت فيها تجربته المتميزة داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إذ كان على علاقات وطيدة مع رموز اتحادية على رأسهم الفقيه البصري وعمر بنجلون وعبد الرحيم بوعبيد، ونوبير الأموي، إضافة إلى رموز سياسية أخرى، من بينها عبد الكريم الخطيب، وعبد السلام ياسين، الذي قاسمه سلك التعليم.
كل هذه التجارب، جعلت مطيع رجلا متمرسا وعضوا نشيطا في المشهد السياسي المغربي، لكن في 1968 و1969، حدثت طفرة نوعية، وتفتقت عبقريته نحو تأسيس تيار إسلامي بالمغرب. صحيح أن هناك عدة قراءات حول ظروف تأسيس الشبيبة الإسلامية، لكن أسلمها من وجهة نظري، من تأتي على لسان صاحبها، أي مطيع شخصيا، فهو يعتبرها “توفيقا وفتحا من الله، وهدى منه، وأن الأمر تم على أيدينا بالمغرب”. التقى مطيع بإبراهيم كمال، الذي كان أستاذا في ثانوية 2 مارس بالبيضاء، وبعدها توطدت علاقتهما جيدا، واتفقا على تأسيس التنظيم.
خلال مرحلة التأسيس، استغل مطيع عمله مفتشا للتعليم، لاستقطاب مجموعة من المعلمين، أبرزهم علال العمراني والشيخ زحل والزيدوني والعربي لعظم وغيرهم، مستغلا مسألة في غاية الأهمية، وهي أن المعلمين كان معروفا عنهم أنهم أكثر وفاء وإخلاصا لمبادئهم، لهذا شكلوا الجبهة الأولى للتنظيم.
بعدها تم الانتقال إلى المرحلة الثانية والأساسية، وهي العمل الميداني عن طريق الرهان على قطاع التلاميذ عبر استقطابهم لصغر سنهم. والملاحظ أن الشبيبة الإسلامية في بدايتها أسست بشكل قانوني، إذ تم تقديم قانونها الأساسي إلى السلطات، تحت اسم جمعية الشبيبة الإسلامية، لكن من ناحية البناء والتخطيط والاختراق، كانت تخفي هدفا وتكتيكا آخر.
كانت أجهزة الدولة وقتها غير مكترثة ببوادر ظهور التنظيم الجديد، الذي بدأ يهيمن شيئا ما على المساجد وساحات المدارس والثانويات، فكل تركيزها كان اجتثاث تنظيمات اليسار المتطرف، وشنت حملات قمع شرسة ضد قياداته ومناضليه، وهذا منحنا نوعا من الحرية في العمل السري واستقطاب المزيد من الأنصار والأتباع وتكوين الخلايا.
وما يكشف أن الدولة كانت متسامحة مع الشبيبة الإسلامية، واقعة وفاة والدة المؤسس عبد الكريم مطيع، مازلت أتذكر الجنازة بكل تفاصيلها إلى اليوم، كانت جنازة غير مسبوقة، استعرض فيها التنظيم عضلاته من حيث عدد الأتباع بعد أن شهدت البيضاء إنزالا من جميع المدن، وبعث برسالة أنه قادم بقوة للهيمنة على الساحة السياسية، لدرجة أن بداية الجنازة وصلت إلى مقبرة الشهداء، في حين مازالت جحافل أعضاء التنظيم عالقة بشارع المقاومة، حيث كان منزل الفقيدة. ومع ذلك كان رد فعل السلطات عاديا جدا. لكن الدولة ستعيد قراءة حساباتها مع التنظيم الجديد، خصوصا بعد صدور الأحكام في ملف المتورطين في قتل القيادي الاتحادي عمر بنجلون في 1980، وخروجنا في مسيرات حاشدة وغاضبة، حينها، بدأت حقبة جديدة، عنوانها الاعتقالات والمطاردات واستقطاب قيادات إلى صف الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى