fbpx
بانوراما

يوميات درب مولاي الشريف 3 … التهمة كومة أوراق وكتب حمراء

أجسامنا كانت متسخة والقمل يسرح ويمرح فيها ويمتص دماءنا

ذاكرة محمد فكري، أحد قيدومي مناضلي اليسار الجديد، تشبه مجلدا ضخما، بقي على الرفوف. كان قدر هذا المناضل الكتوم، الفاعل خارج منصات التناظر والخطابة، أن يعيش ويرافق، منذ بداية شبابه، جل محطات الانعطاف في تاريخ الحركة الوطنية التقدمية واليسارية.
“الصباح” فتحت سجل ذاكرة هذا المناضل شديد التواضع، والذي عاش على مدى أزيد من نصف قرن، شاهدا صموتا على تحولات كبرى في جسد اليسار التنظيمي، وفي خطه السياسي، وفي تجدد أجيال من مناضليه، من خلال حلقات يستعيد فيها بعض الشذرات المتفرقة من أيام وليالي درب مولاي الشريف، والتي تشكل مقدمة لكتابة مذكرات تعزز خزانة ما يعرف بـأدب السجون، وهي حلقات لا تخلو من حكي يمزج بين السخرية اللاذعة والإيمان القوي بالقضايا التي اعتنقها جيل من الشباب، وأدى في سبيلها ضريبة الاعتقال لسنوات، في مرحلة ما يعرف بسنوات الجمر والرصاص.
إعداد: برحو بوزياني

وجد جهاز البوليس السياسي الذي اعتاد فبركة تهم كبرى للمناضلين التقدميين، الاتحاديين على الخصوص، مثل حمل السلاح، ومحاولة قلب النظام بالقوة والمس بالأمن الداخلي والخارجي للدولة، نفسه في حالتنا أمام مشكل آخر، لا يفقه فيه شيئا.
كانوا أمام أشخاص يحملون أفكارا وأداة اتهامهم، كومة من الأوراق والكتب والمجلات، استعصى عليهم فك ألغازها وفهم معناها. لا يفقهون شيئا في الثورة الوطنية الديمقراطية، ولا القواعد الحمراء المتحركة، أو “رب شرارة أحرقت سهلا”، ولا في التناقض الأساسي والتناقض الثانوي، أو “خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء”.
ربما تساءلوا في قرارة أنفسهم، كيف سيغير هؤلاء الدولة والنظام، ونحن لم نجد لديهم مما حجزناه، ولو إبرة أو مسمارا، وكل ما كان في حوزتهم أكوام من الأوراق ومئات الكتب من مؤلفات ماركس وأنجلز ولينين وروزا لوكسومبورغ وتروتسكي وستالين وماو تسي تونغ وغرامشي، ومهدي عامل وإلياس مرقص وياسين الحافظ، وحسين مروة وطيب تيزيني وجورج طرابشي، وصادق جلال العظم وغيره. 
استغرقوا أشهرا عدة في البحث عن إيجاد تكييف لما سيتهموننا به في هذا المسلخ البشري، “أنت ممنوع من الكلام، ومن الهمس، وممنوع من الضوء، كنا نعرف تعاقب الليل والنهار من أصوات الحراس الذين يتناوبون على حراستنا، كما قلت سابقا.
كان منهم السئ جدا والخسيس الذي يبحث عن السبب لتعذيبنا، ومنهم الأقل سوءا الذي يقوم بواجب الحراسة، كما أمر بها، ولا يتسامح، ويعاقب من ضبط وهو يتكلم مع رفيقه بمجرد الوقوف لمدة دون ضرب. أما الأشد سوءا، فيعاقب بالوقوف على رجل واحدة لساعات زيادة على الضرب، وأسوأهم ممن ذكرت، شخص يمتاز بسادية قل نظيرها، وربما لميولاته الشاذة، وشخص آخر كنا نسميه “الهيش”، وهو فعلا كذلك، يليهم من نسميه “المثقف”، وهذا كانت لديه عقدة مع المثقفين، حين يسألك عن مهنتك، وتجيبه بأنك أستاذ أو مهندس، يبدأ في ترديد “ولد الحرام مهندس وتيشد مائة ألف ريال في الشهر”، ويبحث عن ذريعة لعقابك، إما بحرمانك من الذهاب إلى المرحاض، أو يتهمك بالكلام، لينتقم منك دون سبب.
والحقيقة أنه في أوقات حراسة هؤلاء الأشد سوءا، نجد راحتنا في الكلام، وتبادل الحديث، لأن ثرثرتهم في الكلام، تجعلهم لا ينتبهون إلينا، وفي أوقات حراسة هؤلاء يحرم بعضنا على نفسه الذهاب للمرحاض، ومنهم أنا.
توالت الأيام والأسابيع والشهور، ونحن في ظلام الليل، لم نعد نفرق بين نهارنا وليلنا، ولا أسماء الشهور والسنة التي نحن فيها. كانت أجسامنا متسخة والقمل يسرح ويمرح في أجسادنا، ويمتص دماءنا، والأخطر من القمل، حشرة أخرى تسمى البق، وهي أشد إيلاما وامتصاصا للدماء. 
حين قرأت ما كتب عن تازمامارت أو تكونيت وأكدز، وما عاشه رفاقنا في معتقل أنفا و”الكوربيس”، اعتبرت ما عشناه نزهة وإقامة في نزل من خمسة نجوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى