fbpx
افتتاحية

أم الطعنات

الإعلام ليس ترفا في لحظة الأزمات والجوائح، وليس فقط منصة للإخبار، يمكن أن نحمل عليها ما نشاء من معطيات ومتابعات، بل هو العماد والأساس والمبتدأ والمنتهى، إن اختلت موازينه، بأي طريقة من الطرق، اختل كل شيء.
منذ الأيام الأولى لاكتشاف أول بؤرة وباء عالمية في ووهان الصينية، تجند الإعلام المغربي، بكل قطاعاته الورقية والإلكترونية والسمعية البصرية، لوضع الرأي العام الوطني أمام حقيقة الخطر القادم من الشرق، وكثف الصحافيون، في مختلف منابرهم، مجهوداتهم وعملهم، للتتبع والتقصي والترجمة وإجراء الحوارات والربورتاجات والتحقيقات، في محاولة لفهم الفيروس الجديد والتحذير من مخاطره وأعراضه، والدول المهددة به مستقبلا.
كان الإعلام، وضمنه الصحافة الورقية، في الموعد، إذ خصصت عشرات الصفحات يوميا للحدث الدولي، وجندت إدارات التحرير صحافييها على مدار اليوم، من أجل المتابعة والرصد والتصدي إلى الأخبار الزائفة والملفقة، والإشاعات ومحاربة التهويل والذعر، وأحدثت تغييرات في برامج الصفحات والتبويب واقترحت صفحات جديدة تتماشى مع الحدث.
ومع تسجيل أول إصابة في المغرب، في 2 مارس الماضي، تفرغ الإعلام والصحافيون كليا إلى الموضوع، وخصصوا صفحات كاملة للموضوع، وحافظوا على الإيقاع المرتفع نفسه من المتابعة وتقصي الأخبار الرسمية من مصادرها، وإطلاق حملات تحسيس وتوعية في صفوف المواطنين بمخاطر الفيروس.
وحين أعلنت السلطات العمومية، منتصف مارس الماضي، عن حزمة إجراءات أولى لحالة الطوارئ الصحية، كانت الصحافة أيضا في الموعد، ووقفت في الواجهة الأمامية لحماية البلاد والعباد من فيروس قاتل، وسارع الصحافيون للانتقال إلى المستشفيات والمختبرات والشارع، إلى جانب قوات حفظ النظام، لتثبيت الوضعية الجديدة وإقناع الناس بضرورة البقاء بمنازلهم في إطار الحجر الصحي.
لم يتوان الصحافيون والصحافيات في تحمل مسؤوليتهم التاريخية في لحظة عصيبة، ومازالوا مستمرين على النهج نفسه بكل تفان ونكران للذات، رغم الطعنات التي تأتي من المقربين، ومن هؤلاء الذين كانت تعتبرهم الصحافة سندا ورفاق سلاح في الخندق ذاته.
فأن يقفز وزير للثقافة والرياضة والشباب السابق، ويوجه دعوة لإغلاق الصحف الورقية، دون استشارة المجلس الوطني للصحافة، والنقابة الوطنية، وفدرالية الناشرين، فتلك طعنة أولى تلقتها الصحافة من الحكومة، وباسم ناطقها الرسمي.
وأن تغيب المؤسسات الإعلامية عن وسائل الدعم، ويرمى الصحافيون إلى المجهول، وتتعامل معهم الحكومة مثل القطاعات الإنتاجية الأخرى، دون أي اعتبار إلى وضعهم الاعتباري في المجتمع، ودورهم الحيوي في الأزمة، فتلك طعنة ثانية.
أما أن يصدر الوزير الوصي على قطاع الإعلام قرارا مبهما، الجمعة الماضي، ظاهره تسبيق الدعم السنوي لـ 2020 للناشرين، وباطنه إثارة الفتنة بين الصحافيين ومؤسساتهم الإعلامية، فتلك أم الطعنات، لأن المطلوب اليوم، ليس خلط الأوراق بين نوعين من الدعم العمومي محكومين باتفاقيات، بل صرف فوري للدعم التكميلي للصحافيين، المعلق منذ أكثر من سنتين.
إن التاريخ سيسجل أن الحكومة لم تكن في الموعد، وأخلت بالتزاماتها الأخلاقية تجاه الصحافة.
ونحن أيضا سيكون لنا كلام ما بعد الأزمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق