fbpx
افتتاحية

تجار الوهم

سيكون من الوهم، في الوقت الحالي، التفكير في ما بعد جائحة كورونا، في ظل التصاعد المخيف في أرقام الإصابات اليومية وظهور بؤر نوعية جديدة، تلزم الجميع (دون استثناء)، بالانكباب على تدبير جيد للمرحلة، للخروج من النفق.
فمن يفكر اليوم بمنطق الغد، في مثل هذه الظروف العصيبة، كمن يستعد للقفز من سفينة آيلة للغرق، والنفاذ بجلده إلى بر الأمان، وترك آلاف الموتى والجرحى والمكلومين خلفه، وهو منطق لا يؤمن به غير المغامرين والأنانيين وتجار السراب.
إن المرحلة التي يمر منها المغرب تزداد تعقيدا، يوما بعد يوم، إذ كلما تنفسنا هواء أمل، وحلمنا بانتهاء وشيك للكابوس المزعج، كلما أعادتنا الوقائع المتسارعة خطوات إلى الوراء، ما يلزم الجميع بالتقيد بأقصى درجات الحذر، تفاديا لكارثة ستغرق الجميع، دون اسـتثناء.
قد نتفق على أهمية استشراف المستقبل ووضع السيناريوهات الممكنة، والتخطيط لما بعد انتهاء حالة الطوارئ الصحية، التي كبدت الاقتصاد الوطني نسبا مهمة من النمو وخسائر بملايير الدراهم وفقدان آلاف مناصب الشغل.
لكن الأهم من ذلك، هو مركزة التفكير في إيجاد الحلول الناجعة للإنقاذ، وتكثيف الجهود والتطبيق الصارم للتدابير وتعزيز حملات التواصل والتحسيس للتقيد بالحجر حتى تمر العاصفة، ولكل حادث حديث بعد ذلك.
فمن استمع، أول أمس (الخميس)، إلى التسجيلات الصوتية لعاملات مصابات بفيروس كورونا بوحدة صناعية بمنطقة عين السبع بالبيضاء، وهن يسردن معاناتهن للولوج إلى العزل بالمستشفى، سيدرك جيدا أن المغرب يحتاج، اليوم، إلى جميع سواعده ورجاله لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
فحين تصرخ مواطنات ويذرفن الدموع، وهن خائفات ومرتعبات من نقل الفيروس إلى أمهاتهن وآبائهن وأبنائهن في المنازل، لعدم وجود أسرة شاغرة في المستشفيات، فهذا يعني أن البلد دخل، فعلا، أو اقترب من مرحلة الأزمة والخصاص في البنيات التحتية الخاصة بالتكفل بالمرض القاتل، ويفرض على الجميع الانكباب على الموضوع بجدية.
ومؤكد أن عاملات عين السبع، هن جزء من مرضى كثر ستكشف عنهم الأرقام في الأيام المقبلة، بسبب التطور المتسارع لانتشار الفيروس وظهور بؤر جديدة، ما يعني أن المغرب دخل منطقة التحديات الكبرى التي تقتضي:
أولا، أن يتحمل الجميع مسؤوليته في الانكباب على تدبير المرحلة الحالية وإيجاد مخارج آمنة لها، قبل التفكير في ما بعد كورونا.
ثانيا، تحيين بروتوكول التكفل بالحالات المشتبه فيها، والحالات المؤكدة، والمخالطين، لتقليص دوائر انتشار الفيروس.
ثالثا، المرور إلى مرحلة الحجر الصحي الكلي على مناطق ومدن وأحياء تحولت إلى بؤر وباء، اقتضاء بتجارب دولية نجحت في محاصرة الجائحة بهذه الطريقة.
رابعا، تقوية مساطر المراقبة والزجر والتدخل القانوني ضد مخترقي حالة الطوارئ الصحية، إذ يطرح سؤال كبير حول حالة التراخي في عدد من المناطق والأسواق وفضاءات التجمع الكبرى، وكأننا بالسلطة رفعت يدها، أو تسلل إلى رجالاتها الوهن.
فقط بهذه المداخل، يمكن وضع الوباء تحت السيطرة نسبيا، وقمعه مؤقتا، إلى حين ظهور معطيات جديدة في الأيام المقبلة.
عكس ذلك، سنكون في وضعية من يقود سيارته بسرعة 300 كيلومتر في الساعة.
لكن، في اتجاه الحائط.
اللهم إني بلغت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق