fbpx
مقالات الرأي

السالمي: القلق النفسي في ظل الحجر الصحي

“القلق النفسي كالنار التي يوقدها الفرد وتحركها الرياح”
كيف يمكننا ألا نقلق؟ وقبل شهور مضت، كانت الحياة تسير بشكل طبيعي، وفي لحظة توقف السير، فرض حظر التجول، أعلن الحجر الصحي وحالة الطوارئ، سدت المطارات، توقف السفر داخل وخارج البلاد، أغلقت المقاهي، المطاعم، الحدائق… بسبب فيروس لا يستثني أحدا؛ إنه “الكورونا” ينتشر بسرعة ويحصد أرواح الكثيرين، ناهيك عن عدد الإصابات التي تسجل كل يوم، وما الجميع إلا في سكوت وصمت رهيب يترقبون من داخل بيوتهم.
الكل أصبح يستحضر الماضي ويتأمل المستقبل، حيث كثرت الأسئلة، كيف لإنسان كان يتجول في الشوارع حرا طليقا، يجلس في المقاهي والمطاعم، يعتمر الساحات العمومية والشوارع، وكل لحظة من لحظاته تلك تركت معها ذكرى، صورة أو سيلفي…أصبحت عبارة عن سجن “سجن من الأفكار” داخل نسق مغلق من التفكير، لا يعلم أين الوجهة؟ لا يدري المصير، وكل يوم في لحظة ترقب للإعلان عن الحصيلة الجديدة لحالات الإصابة التي سجلت، وما تحمله الحصيلة من وفيات، كل هذه العوامل جعلت مجموعة من الافراد يعيشون على واقع القلق المفرط والمستمر، وهذا القلق ما هو إلا نتاج مجموعة من المخاوف؛ الخوف من الإصابة بالمرض، الخوف من انتقال العدوى وانتشارها بشكل أكبر، الخوف من استمرار هذا الانتشار إلى أمد طويل، حيث يبدأ الذهن بالتفكير وطرح السؤال كيف سينتهي هذا الوباء؟ ومتى؟ كيف سننجو؟ وهل ستجد الإنسانية لقاحا ينجينا من هذا الدمار؟ وفي غياب وجود أجوبة لكل هذه الأسئلة، تتوالى الأفكار المهلوسة، فكرة تلوى الأخرى تغزو الذهن، وبالتالي يعيش على أنقاض أفكاره التي سبق له بناؤها وبالتالي يتسلط القلق… كما أن هذا يجعل منه بشكل ضروري أن يقلق، مادام القلق: “هو الإحساس القبلي بوجود خطر غير محدد يهدد الفرد، وهذا الخطر موجود لكنه مجهول، وباستحضار هذا المجهول يجعل الفرد يعيش على واقع الخوف والقلق الشديدين، وبالتالي يوقد الفرد تلك النار، وهذا ما أشرنا له في البداية حينما تحدثنا على أن القلق النفسي كتلك النار التي يوقدها الفرد وتحركها الرياح، وما يزيدها اشتعالا هي أفكارنا وتمثلاتنا الخاطئة والسلبية، والأخبار الشائعة والزائفة، التي ننساق وراءها ولا نحسن استيعابها ومعالجتها في ذاكرتنا، لكن وبانتقالنا من حصيلة الإصابات إلى التركيز على عدد الوفيات، يزداد الأمر أكثر خطورة، بحيث ترتفع حدة الخوف الخوف من الموت أو نهاية حياة إحدى الأقارب جراء الإصابة بالمرض، على أن يتحول الأمر إلى قلق من الموت، وحينها قد نسقط في تدمير الحياة، وهذا ما تحدث عنه “سيغموند فرويد” حينما قال “إنه من المحزن جدا أن نعلم بأن الحياة تشبه إلى حد كبير لعبة الشطرنج حيث تفقدنا الحركة الخاطئة إمكانية الاستمرار في اللعب، بل إننا لا يمكن أن نعول حتى على شوط واحد منه، فمن العسير أن نتمثل موتنا الشخصي، وفي كل لحظة نحاول ذلك نجد أنفسنا في موقف المتفرج”. وفي ظل هذه الأزمة النفسية التي يعيشها الأفراد عبر بقاع الأرض، جراء القلق والخوف من الموت، نصبح نتمثل موتنا الشخصي، وفي كل لحظة نفكر فيها لا نجد أنفسنا إلا في موقف المتفرج…
إن محنتنا النفسية هذه وتجاوزها يكون نتاج تجاوز وتغيير نسق التفكير، لأن ما نعيشه رهين بتفكيرنا الإيجابي، مع أخذ التدابير الاحترازية قدر الإمكان، وخلق نسق جديد من التفكير في الوضع بعيدا كل البعد عن تلك الحلقة المفرغة ودوامة القلق والخوف.

ميمون السالمي: طالب باحث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى