fbpx
مقالات الرأي

الزخنيني: أزمة كورونا … هل نتحول إلى الاقتصاد الاخلاقي؟

يعيش العالم بأسره وبشهادة منظمة الصحة العالمية هجوم أقوى فيروس عرفته الإنسانية في مطلع ألفيتها الثالثة، وهو فيروس كورونا أو كوفيد 19 الذي استطاع أن يصيب ويفتك بأرواح الكثير من الناس بمختلف بقاع الكرة الأرضية، ولم تصمد أمامه حتى كبريات الدول المعروفة بتقدمها العلمي والطبي والتكنولوجي، لما اتخذه من امتدادات وأبعاد على كافة الاصعدة خاصة الشقين الاقتصادي واجتماعي.

فيروس كورونا وتأثيره على اقتصاد

تنذر أزمة “الكورونا” بأزمة اقتصادية عالمية جديدة، تتسع رقعة مقدماتها يوما بعد يوم حيث نشاهد إغلاق الحدود الدولية والمطارات وتوقيف الرحلات، وعرقلة حركة السلع والمبادلات التجارية، مسجلة انعكاسات مباشرة على مستوى تراجع الطلب على المنتجات النفطية ، اضافة الى تراجع الطلب على المنتجات الصينية وبقية البلدان المتضررة، ومحاولة تعويضها بسلع بلدان أخرى، حيث صرحت كريستالينا جورجيفا؛ مديرة صندوق النقد الدولي، في شهر فبراير الماضي بإن حالة عدم اليقين بشأن السيطرة على فيروس كورونا الجديد تتطلب الاستعداد لمزيد من السيناريوهات السلبية خلال 2020، متوقعة آثارا سلبية على النمو الاقتصادي للصين، وجميع دول العالم بسبب الوباء، كما نبهت خلال كلمة في ختام اجتماع مجموعة العشرين لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية، المنعقد في العاصمة السعودية الرياض إلى ضرورة الاستعداد لمزيد من السيناريوهات السلبية، لأن تفشي الفيروس يمكن أن يؤثر على العديد من المجالات، خاصة المالية منها سواء ما تعلق بمستويات الديون عند الدول أو ارتفاع معدلات المخاطرة بالنسبة للشركات.
أما السياحة التي تعتبر من القطاعات الحيوية بالنسبة للعديد من البلدان، فقد سجل تراجع هائل على مستوى عائدات السياحة الدولية وحجوزات الفنادق وبرامج وكالات الأسفار، وتضررت شركات الطيران، فقد قال اتحاد النقل الجوي الدولي (IATA) إن إجمالي الإيرادات العالمية المفقودة لشركات الطيران قد تكون 29.3 مليار دولار، بسبب فيروس كورونا. كما تضررت البورصات وتراجعت قيمة العديد من العملات وازدادت المخاطر والمخاوف الاقتصادية وفقدان مناصب الشغل.
تضع هذه الأزمة، إذن، العالم بأسره أمام امتحان عصيب لعولمة الاقتصاد العالمي و للنظام الرأسمالي ، الذي بدا أوهى من بيت العنكبوت، حيث أضحت أي هزة؛ تؤثر سلبا أو إيجابا على كل اقتصاديات العالم؛ سواء قوية كانت أم ضعيفة، إننا امام أزمةً كونية فاقعة كأنها حرب عالمية خفية بعيدا عن نظريات التآمر ودون استخدام أسلحة الدمار الشامل أو التقنيات النوعية. تفشى وباء كورونا واخترق القارات وعمم الهلع، وأحدثت آثاره المباشرة والجانبية اهتزازاً اقتصادياً في الأسواق النقدية وسوق النفط، ووضعت على المحك أنظمة الصحة في العالم وأشكال إدارة الأزمات، وزاد التخبط في العلاقات الدولية على ضوء احتدام التنافس بين القوى الكبرى وتصدع العولمة في سياق مسعى إعادة تشكيل النظام الدولي، وإعادة رسم خريطة القوى الاقتصادية من جديد على مستوى العالم.

أزمة القيم و الاخلاق:

عند الحديث عن القيم فاننا نتحدث عن المعايير والمبادئ التي من خلالها نحكم على الأشخاص أو الأفكار أو الأفعال أو المواقف، أي نقوم بتقييمهم، هل هم مصيبون أو مخطئون، فهي الميزان الذي نزن به أعمالنا ونحكم بها على تصرفاتنا. لقد أبرزت هذه الأزمة الوجه الآخر وربما “الحقيقي” للإنسان، فقد كشفت عن أقبح مساوئنا، حيث ترجمت على شكل مواقف غير أخلاقية وتصرفات لاإنسانية وسلوكيات مشينة همت مختلف البلدان، حيث شكل الاستهتار والضحك وإنتاج الفكاهة، على حساب معاناة الآخرين، مظهرا لأزمة القيم الإنسانية، كما شكلت محاولات بعض المصابين النشر المتعمد للعدوى للإيقاع بالآخرين صدمة ووجها بئيسا لإنسان الألفية الثالثة.
في سياق اخر تتجلى مظاهر الأزمة القيمية لأفراد ومجتمعات الألفية الثالثة في سيادة الأنانية المفرطة، حيث عبرت “الرأسمالية الصغيرة”، ممثلة في بعض التجار، عن وجهها الاحتكاري والمضارباتي الحقيقي، باختيار مضاعفة أسعار الكمامات الطبية والمطهرات والعديد من المنتجات الاستهلاكية، كما عبر “هجوم” فئات كثيرة من على رفوف المحلات التجارية والتهافت على شراء المنتجات الغذائية عن الوجه الاستهلاكي الحيواني البشع لإنسان الرأسمالية المتوحشة.
وإذا كان هذا هو الوجه المظلم لهذه الازمة، فإن له وجها مشرقا آخر؛ إعادة الاعتبار للتضامن، أو البحث في كل هذه البشاعة عن الإنسان فينا، فقد تعالت الدعوات من المنظمات الدولية والمؤسسات الرسمية وفعاليات المجتمع المدني ورواد التواصل الاجتماعي إلى الدعوة بضرورة التحلي بقيم التضامن، التي عملت على نقلها وسائط التواصل الاجتماعي كفسحة أمل. وبالفعل لا يمكن للإنسان إلا أن يستشعر الأمل أمام المواقف الإنسانية العظيمة التي طبعت هذه المرحلة؛ كيف تطوع الصينيون غير المصابين لنقل الدواء إلى المرضى المصابين، وكيف وضعوا بيوتهم كمستشفيات للعلاج رهن إشارة الأطقم الطبية وكيف التزموا بالتحذيرات الوقائية الطبية لتفادي تفشي المرض بكل ثبات وانضباط، وحتى مع إقرار تدبير حظر التجول شاهدنا كيف أن المواطنين في إيطاليا واسبانيا تغنوا عبر شرفات منازلهم بالأناشيد الوطنية والمعزوفات الموسيقية وشكروا الأجهزة والأطقم الطبية الساهرة على أمنهم وصحتهم.

المغرب في ظل الأزمة :

بدأت لفحات الفيروس تلامس بلدنا حتى قبل وصوله مع أزمة الطلبة المغاربة في مدينة ووهان الصينية، شباب من خيرة أبناء الوطن وجدوا محاصرين في ولاية وبائية استنجدوا بوسائل التواصل الاجتماعي لإيصال صوتهم وصوت عائلاتهم المغمومة بوضعهم لصانع القرار في الوطن، وكان القرار شجاعا ووطنيا وأبويا حيث تمت مباشرة عودتهم للمغرب والتكلف برعايتهم في شروط احترازية بعد دخولهم أرض الوطن وتسليمهم لأسرهم سالمين. وبوصول الضيف غير المرغوب فيه وتسجيل الحالات الاولى للإصابة في مارس، اتخذت السلطات إجراءات احترازية حاسمة و”مؤلمة” وعلى رأسها وقف الرحلات نحو البلدان المعنية بانتشار الفيروس وتعليق الدراسة ومختلف الأنشطة والتجمعات والتظاهرات الثقافية والرياضية والدينية، وفرض الحجر الصحي، ثم بعد ذلك إغلاق المطاعم والمقاهي والحمامات وتعقيم بعض الفضاءات العامة، واعتماد بدائل التدريس والعمل عن بعد. وتميز اتخاذ هذه الإجراءات، بمنهجية متدرجة في الإعلان عنها، على الأرجح لتقليل وقعها النفسي وتفادي إحداث الهلع في نفوس المواطنين، ورغم ذلك، لم يستثن المغرب من ظاهرة التهافت على المحلات التجارية ومحاولات الرفع من أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية وأسعار الخضر والتسابق على قنينات الغاز.
إن الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للحجر الصحي في المغرب، الذي يعاني من بطؤ في معدل النمو لسنوات متعاقبة، ومن مديونية عالية، واحتقانات اجتماعية يشهد عليها عدد الاحتجاجات والإضرابات في مختلف القطاعات لكن تكون بالهينة. غير أن استشراف هذه التداعيات تعزز بإحداث “صندوق خاص بتدبير ومواجهة فيروس كورونا”، ساهمت فيه مختلف مؤسسات الدولة، والبورجوازية المغربية ومختلف شرائح المجتمع في تعبير تضامني فريد، عضدته تعبيرات تضامنية متنوعة بين من صال وجال الدروب للتحسيس والتوعية ومن فتح مصحاته ووضعها رهن إشارة وزارة الصحة لإسعاف وعلاج المرضى، وغيرهم كثير.
لقد أثبتت هذه الأزمة، بأن الأساس المتين والركيزة الصلبة لكل دولة، هي ثروتها البشرية، الملتحمة والمتضامنة ولكن المكونة أيضا، فأكبر تحد مطروح على حزمة الإجراءات المتبناة اليوم هو مستوى الوعي الجمعي بها، والذي تعتبر الأمية وقرينها الفقر أهم عائقين أمامه. وبذلك فقوة كل دولة تتحدد باستثمارها في القطاعين الاستراتيجيين : التعليم والصحة، فتماسك وقوة المنظومة التعليمية والبحث العلمي، لها انعكاسات على مختلف مجالات الابتكار والتصنيع والإنتاج ، ودور التربية في إنتاج مواطن قادر على حمل الوطن بين ضلوعه، بقيمه وأخلاقه الذي تكرسها المدرسة ومهنيته وتكوينه الذين ترعاهما، مما يتطلب إعادة النظر في التوجه القائل : “حان الوقت كي ترفع الدولة يدها عن التعليم والصحة”، فالدولة القوية يشترط فيها، التوفر على منظومة صحية عمومية قوية، بمستشفياتها الجامعية والجهوية والإقليمية وصولا لأبسط مركز صحي بالمجال القروي، وتنويع المختبرات البحثية لإنتاج الأدوية بكميات كافية، وتخصيص مقدرات مالية كبيرة لتأطير وتكوين وتخريج الموارد البشرية الطبية المؤهلة في مختلف التخصصات، كما توضح مخاطر خوصصة القطاع الصحي وتحويله لقطاع تجاري بما قد يرهن صحة المواطنين بإمكانياتهم المادية وبتقلبات العرض والطلب.
لا شك لكل شيء نهاية، ومرحلة كورونا ستنتهي، وتترك مكانها لمرحلة جديدة، عنوانها أن اربعة وثلاثين مليون مغربي بمختلف انتماءاتهم الطبقية والأسرية والجغرافية والعمرية وغيرها عاشوا نفس الكابوس، وأحسوا نفس الخوف، وخرجوا جميعا من نفس الأزمة، وأهم دروسها أنه علينا استعادة الجانب الإنساني فينا، استعادة الجانب الاخلاقي للاقتصاد، بما يتيح بناء مجتمع متضامن منتج للثروة ولكن أيضا منصف في هذا الإنتاج.

نادية الزخنيني: طالبة باحثة في العلوم الاقتصادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى