fbpx
ملف الصباح

كورونا … الـــعــدوى الاقـــتــصــاديــة

خمسة آلاف مليار تبخرت من البورصات في أيام وبوادر أزمة عالمية تلوح في الأفق

هل يكون فيروس «كورونا» الجديد، الذي ظهر في الصين لأول مرة، الشرارة التي ستفجر أزمة اقتصادية عالمية؟ سؤال بات يطرحه عدد من المحللين، بعد تأثر قطاعات إستراتيجية بإجراءات الوقاية التي اعتمدها عدد من البلدان. ويعتبر قطاع السياحة والنقل الجوي والنفط والأسواق المالية، من بين القطاعات التي تأثرت بشكل واضح بتداعيات عدوى «الفيروس»، إذ تؤكد المؤشرات المتعلقة بها تراجع أنشطتها. وسينعكس إغلاق عدد كبير من الشركات الصينية على أداء الاقتصاد العالمي، بالنظر إلى أن ركود الاقتصاد الصيني سيمتد إلى الشركاء في مختلف أنحاء العالم، لتنتقل العدوى من الصين وتعم مختلف مكونات الاقتصاد العالمي، بالنظر إلى مكانة الاقتصاد الصيني في الناتج الإجمالي العالمي.

تبخرت 5 ملايير دولار من البورصات العالمية، خلال أيام، بسبب انعكاسات الإجراءات الاحتياطية التي اعتمدها عدد من البلدان وتسبب تداعيات الأزمة في تراجع أنشطة عدد من القطاعات الإستراتيجية المدرجة في البورصة، خاصة قطاعات النقل الجوي والسياحة والنسيج والتكنولوجيات الحديثة، التي تهاوت أسهمها، خلال الأسابيع الأخيرة.
وخصصت اليومية الفرنسية «لوفيكارو» ملفا من سبع صفحات حول الموضوع، تطرقت فيه إلى المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي بسبب تداعيات فيروس «كورونا». لم تعد تأثيرات العدوى تقتصر على الصين بعدما انتقلت إلى أزيد من 40 بلدا، ما جعل «كريستالين جيورجييفا»، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، تتوقع، خلال اجتماع العشرين، خلال نهاية الأسبوع الماضي، تراجع نمو الاقتصاد العالمي بـ 0.1 نقطة، لكن الانعكاسات قد تكون أكثر من ذلك، إذا استمرت العدوى في الانتشار والإجراءات الاحترازية في الانتشار، خاصة إذا نظرنا إلى حجم الصين، بؤرة الفيروس، في الاقتصاد العالمي، إذ تضاعف موقعها في الاقتصاد العالمي ثلاث مرات، لتمثل 13 في المائة من إجمالي النشاط الاقتصادي العالمي.
ووصلت صادرات الصين، مع نهاية 2018، 3632 مليار دولار، توجه 14 منها إلى الولايات المتحدة الأمريكية (539.5 مليار دولار)، وهونغ كونغ التي تستورد من الصين 281 مليارا، واليابان 173.5 مليار درهم وكوريا الجنوبية 106.4 ملايير دولار، وتصل صادراتها نحو هولندا 100.8 مليار دولار، و89 مليار دولار إلى ألمانيا وتصدر نحو الهند ما قيمته 73.8 مليار درهم، إضافة إلى البلدان الناشئة والسائرة في طريق النمو، علما أن السلع الصينية تغزو كل الأسواق. وتعتبر الصين مصنع العالم، إذ تلجأ إليها كبريات الماركات العالمية من أجل إنتاج بضائعها، ما يعني أن تدهور الأوضاع الاقتصادية بالصين ستصل ارتداداته إلى مختلف أنحاء العالم، ما ينذر، حسب آراء عدد من الخبراء الاقتصاديين، ببوادر أزمة اقتصادية ومالية عالمية.

الأسواق المالية ترتعش

أصبحت عدوى «كورونا» واضحة للعيان في الأسواق المالية، إذ بعد صمودها خلال الأسابيع الأولى، سجلت البورصات العالمية تراجعات خلال الأسبوع الأخير. وهكذا تراجع مؤشر «كاك 40» ببورصة باريس بناقص 9 في المائة، في ظرف خمسة أيام، وهمت الانخفاضات مختلف البورصات الأوربية الأخرى، مثل «داكس فرانكفورت» بالبورصة الألمانية الذي تراجع بناقص 2.7 في المائة، ومؤشر «فوتسي» ببورصة لندن، الذي تراجع بناقص 3 في المائة. وارتفع مؤشر «فيكس»، الذي يلقب بمؤشر الخوف، ويقيس تذبذب القيم المتداولة ببورصة «وول ستريت» بالولايات المتحدة الأمريكية، بشكل ملحوظ، إذ انتقل من أقل من 15 في المائة إلى أزيد من 30، وهو المستوى الذي ينذر بالخطر، إذ أن ارتفاع هذا المؤشر يعني أن قيم الأسهم المتداولة تعرف تغيرات سريعة.
وتتجلى مظاهر الأزمة، أيضا، في حصيلة نشاطات الشركات الكبرى، إذ دقت المجموعة الفرنسية «بيرنو ريكار»، التي تحقق 10 في المائة من رقم معاملاتها بالصين، ناقوس الخطر، إذ عمدت إلى مراجعة توقعاتها بشأن حصيلتها، إذ توقعت أن يتأثر نشاطها بقوة، خلال الربع الأول من السنة الجارية. وأكدت مجموعة «دانون» الفرنسية، أن الإجراءات الصحية والاحترازية المعتمدة من قبل السلطات الصينية، تسببت لها في خسارة في مبيعاتها بقيمة 100 مليون أورو، وأفادت مجموعة «شنايدر» أن خسائر مبيعاتها بالصين وصلت إلى 300 مليون أورو.
بالمقابل تجد المصانع بالصين صعوبة في استعادة نشاطها، ما يمكن أن تكون له انعكاسات قوية على الاقتصاد الأوربي والعالمي بشكل عام،رغم أنه لم تصدر بعد توقعات من المؤسسات المالية العالمية حتى الآن بشأن انعكاسات الركود الاقتصادي بالصين على مختلف اقتصاديات العالم.
وانعكست هذه النتائج السلبية على أسهم الشركات المتضررة من الأزمة، خاصة تلك النشيطة في قطاعات السياحة والنقل والمواد الأولية. وهكذا، وفي ظرف أسبوع، تهاوت أسهم شركتي الطيران «إير فرانس» و»راينير» بناقص 20 في المائة، كما تهاوت أسهم شركات تنشط في قطاع المحروقات، مثل «فالوريك» و»سي جي جي»، على التوالي، بناقص 17.7 في المائة و 16.5 في المائة، بسبب انخفاض أسعار المحروقات.

إلغاء حجوزات الفنادق

عصفت تداعيات انتشار فيروس «كورونا» بعدد من البلدان الأسيوية والأوربية بقطاع السياحة، إذ اضطرت مجموعات عالمية لتنظيم الأسفار إلى إلغاء حجوزاتها في انتظار اتضاح الصورة، ما من شأنه أن يتسبب في خسائر كبرى للشركات السياحية والفنادق والمطاعم وشركات النقل الجوي. وأعلنت جامعة منظمي الأسفار الفرنسية «سيتو» أنها ألغت كل السفريات التي كانت مبرمجة نحو الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة إلى غاية نهاية مارس الجاري، كما تم تعليق السفريات إلى البلدان التي ظهر فيها الوباء أخيرا، وطلب من الذين سبق أن حجزوا تذاكر الطائرات والإقامات بالفنادق، تأجيل سفرهم أو تغيير وجهتهم. وأوضحت الجامعة أنه لم تتخذ أي إجراءات بمنع الأسفار، ولكن قرار الإلغاء يعتبر إجراء احترازيا فقط، لكنه سيكلف شركات الأسفار مبالغ بالملايير، ولم تتضح الأمور بعد، إذ يمكن أن ينتشر الوباء أكثر، وسيفاقم خسائر الفاعلين في القطاع السياحي.
وانطلقت شرارة الأزمة من الصين، بؤرة الداء، باعتبارها بلدا مصدرا ومستقبلا للسياح، لتنتشر ارتداداتها إلى مختلف الأسواق السياحية، إذ أدت الإجراءات الاحترازية التي اعتمدتها السلطات الصينية إلى حرمان الوجهات التي كان يقصدها مواطنوها من تدفقات السياح الصينيين والمداخيل التي كانت تجنيها البلدان المستقبلة من هذه الحركة، إذ تعتبر الصين أول بلد مصدر للسياح في العالم، إذ مثلت نفقات السياح الصينيين، خلال السنة الماضية أزيد من 20 في المائة من مداخيل الأسفار في العالم.
وانتقلت العدوى إلى بلدان أخرى، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا، إذ تراجعت حجوزات الأمريكيين والبريطانيين للسفر إلى الخارج بناقص 19 في المائة منذ 20 يناير الماضي، مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الماضية. وتراجعت الحجوزات بفرنسا، خلال فبراير الماضي، بناقص 99 في المائة نحو الصين وناقص 61 في المائة بالنسبة إلى السفريات إلى الكامبودج والفيتنام والتايلاند، وناقص 4 في المائة بالنسبة إلى الوجهات الأخرى.

المغرب… السياحة المتضرر الأول

مما لا شك فيه أن قطاعات ستتأثر بانتشار فيروس كورونا، خاصة بعد اكتشاف أول حالة بالمغرب. ويعتبر القطاع السياحي من ضمن القطاعات الأولى التي لحقتها تداعيات الإجراءات الاحترازية. وتشير معطيات جامعة منظمي الأسفار الفرنسية أن حركة السياحة نحو البلدان الآسيوية تراجعت بنسب تتراوح بين 60 في المائة و 99، في حين توقعت أن تراجع الحجوزات في ما يتعلق ببلدان أخرى بناقص 4 في المائة. وبالنظر إلى أن فرنسا تعد من الأسواق الأولى المصدرة للسياح نحو المغرب، فإن هذا التراجع سينعكس على مداخيل الفنادق ومهنيي القطاع السياحي بالمغرب، كما ستتأثر الحركة السياحية بتوقف وفود السياح الصينيين نحو المغرب، الذين يصل عددهم 500 ألف سنويا، ما يعني خسارة كبرى لمهنيي السياحة. ويعتبر القطاع السياحي من أكثر القطاعات توفيرا لمناصب الشغل ومساهمة في الناتج الداخلي الإجمالي. وبالنظر إلى أن القطاع السياحي يرتبط بعدد من القطاعات الأخرى، مثل الصناعة التقليدية والتجارة والنقل الجوي، فإن الركود سينتقل، أيضا، إلى هذه القطاعات.
وسيتأثر، أيضا، بهذه الأزمة، قطاع تنظيم التظاهرات، بعدما تقرر إلغاء عدد من التظاهرات الكبرى التي كان ينوي المغرب تنظيمها، مثل معرض الفلاحة، ويرتقب أن يتم إلغاء بعض التظاهرات الموسيقية والفنية، ما سينعكس على مداخيل الفاعلين في القطاع.
وقررت جمعية مستوردي السيارات، بدورها، إلغاء معرض السيارات، الذي كان مقررا تنظيمه في أبريل مقبل، ما سيكون له تأثير كبير على مبيعات القطاع، الذي حقق رقما قياسيا، خلال المعرض السابق بتسجيل مبيعات تجاوزت 177 ألف سيارة.
وينتظر أن تؤثر تداعيات انتشار فيروس كورونا على معدل النمو بما يناهز 0.2 نقطة مائوية، حسب تقديرات متنافسة، ما يعني خسارة في حدود مليارين و 240 مليون درهم (224 مليار سنتيم)، علما أن الناتج الداخلي الإجمالي، خلال السنة الماضية كان في حدود 1120 مليار درهم.

قطاعات صناعية مهددة

السيارات
يشير خبراء الاقتصاد أن قطاع السيارات سيكون من بين القطاعات التي ستتأثر بشكل ملحوظ بالأزمة، بالنظر إلى أن أغلب مجموعات صناعات السيارات في العالم تتزود بالمواد وأجزاء وتجهيزات السيارات من الصين، التي علقت سلطاتها العمل بعدد من المصانع الصينية إلى غاية 10 مارس الجاري، درءا لانتشار الوباء. ومن المرجع أن يتم تمديد المدة بعدما لم تتمكن الصين من مواجهة الوباء والحد من انتشاره. وتوقع مكتب التنقيط الدولي «مودايز»، في إعلان أصدره، أن تتراجع مبيعات السيارات، خلال السنة الجارية بناقص 2.5 في المائة، علما أن توقعاته السابقة كانت تشير، قبل اكتشاف الفيروس وانتشاره، إلى تراجع في حدود 0.9 في المائة.

الطيران
توقع الاتحاد الدولي للنقل الجوي أن يفقد القطاع ما لا يقل عن 30 مليار دولار من المداخيل خلال السنة الجارية. وأعلنت الخطوط الفرنسية خسارات محتملة خلال أربعة أشهر الأولى من السنة الجارية تتراوح بين 150 مليون «أورو» و200 مليون. ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى شركات الطيران الأخرى، خاصة شركات التكلفة المنخفضة، التي ترتكز سياستها التجارية على الكم، إذ تخفض هامش ربحها إلى أدنى مستوياته بهدف جلب أكبر عدد ممكن من المسافرين، وستكون المتضرر الأول بعد تراجع حركة الأسفار في العالم.

النسيج والألبسة
يجد عدد من شركات الألبسة الجاهزة صعوبات في التزود بالبضائع، خاصة تلك التي تصنع منتوجاتها بالصين، بالنظر إلى أن عددا من المصانع أغلقت أبوابها في انتظار صدور قرار من السلطات الصينية باستئناف النشاط. ويمكن أن تغلق شركات ببلدان أخرى أبوابها بعد نفاد مخزونها وعدم التمكن من استيراد حاجياتها من الصين.

تنظيم التظاهرات
تأثر نشاط الشركات المختصة في تنظيم التظاهرات والحفلات بالأزمة، بعدما تم إلغاء عدد من التظاهرات الثقافية والرياضية في عدد من البلدان مخافة انتشار العدوى، ما يمثل خسارة بالنسبة إليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى