fbpx
ملف الصباح

الحراك … “كلها ينش على كبالتو”

انهيار جدار الثقة في الاحتجاجات المركزية الموجهة سياسيا وحزبيا والمغاربة يفضلون حراكات فئوية بوقع أكبر

بداية 2021، يمر عقد كامل على الصيغة المغربية للحراك العربي الذي انطلقت شرارته في يناير 2011، بعد إضرام بائع متجول النار في جسده، ووصل إلى المغرب متأخرا، نسبيا، إذ اجتمعت النواه الأولى في 20 فبراير قرب ساحة الحمام (سابقا)، بالبيضاء وبدأ الزخم يكبر ويخيف، حتى انحسر، بدخول البلاد مرحلة “الاستجابة” إلى المطالب.
اليوم، تمر تسع سنوات على حدث، بدأ يتحول بالتدريج إلى ذكرى للاحتفال، بعد أن سالت مياه كثيرة من تحت جسور المغرب، وتقلبت أحوال وسياقات ووقعت انزلاقات وظهرت خيارات أخرى لم تعد تؤمن كثيرا بمركزية النضال الذي سرعان ما تبتلعه الحسابات السياسية والمصالح الحزبية الضيقة على حساب الشعارات والمطالب، وانتقل الحراك إلى الهامش والمغرب المنسي الآخر، منتجا انتفاضات وثورات صغيرة ما زالت تداعياتها مستمرة إلى اليوم.
ي.س

الجـهـويـة الاحـتـجاجـيـة

انتقال الحراك من المركز إلى المدن والجهات وتعبيرات فئوية جديدة تلغي النقابات والأحزاب

بدأ التفكك يدب إلى أوصال الحراك الاجتماعي الكبير لـ20 فبراير، عمليا، بانسحاب جماعة العدل والإحسان، في «صفقة» غامضة غير معروفة تفاصيلها وحيثياتها إلى حد الآن، ثم تواصلت بعمليات احتواء داخلي وبروز بوادر انشقاقات وتقاطبات في المواقف، تزامنت مع إطلاق النقاشات الأولى حول دستور 2011، ووعود الإصلاح السياسي والاجتماعي التي رافقته، قبل أن ينتهي هذا المسلسل بوصول الإسلاميين، لأول مرة، إلى رئاسة الحكومة منتصف 2012.
كل شيء انتهى في هذه السنة تقريبا، وتحول الحراك إلى ذكرى يحتفل بها بعض «الأوفياء»، بكثير من الحنين والتنهد، مرة كل سنة، ويطوى الملف من جديد، إذ عجز المغاربة، منذ 2011، عن إنتاج لحظة اجتماع موضوعي يشجعهم على النزول مجددا إلى الشارع، ملتحفين بمطالب وشعارات مركزية كبرى.
ولعل من بين أسباب فشل الرهان على الحراك «المركزي» دخوله في دوامة الحسابات السياسية بين الأطراف المؤسسة للمبادرة وتوزع دمه بين اليسار والإسلاميين (العدل والإحسان تحديدا)،
بالموازاة، أدرك عدد «النشطاء» أن ما يفسد المبادرات الاحتجاجية تقيدها بسقف اجتماعي وسياسي محدد، كما «تقتلها» الترتيبات المسبقة والتوازنات والتنسيق الخفي والظاهر بين الماسكين باللعبة.
لهذا السبب، ربما، نجحت، نسبيا، الحركات «العفوية» الأخرى، بعد أن انتقل الحراك من اختصاص قطاعي وسياسي إلى المجال الترابي (الحسيمة وجرادة وزاكورة نموذجا).
وأعادت مظاهرات الريف، التي استمرت لأكثر من سنة، النقاش إلى نقطة الصفر، كما طرحت سؤال تحديد الأوليات والمنطلقات: هل ننطلق من المطالب العامة ذات الصبغة الوطنية والشمولية التي تهم جميع المواطنين في التعليم والصحة والقضاء والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق والتصدي للفساد السياسي والمالي؟ أم نبدأ من تحت، أي من المطالب الترابية لكل مدينة ومنطقة وجهة وصولا إلى فوق؟
وشكلت روح 20 فبراير قوة دفع، رمزيا على الأقل، لجميع الحركات الاجتماعية التي عرفها المغرب منذ أن أضاء السكان الملتهبون بأسعار الزيادات في الكهرباء والماء سماء طنجة، ثم انفجار الوضع في الحسيمة بعد الوفاة المأساوية لبائع سمك، ووصولا إلى مسيرات العطش والصحة بزاكورة وأوطاط الحاج، وليس انتهاء بمطالب البديل الاقتصادي في منطقة جغرافية محدودة اسمها جرادة.
والملاحظ أنه في الوقت الذي تحركت الدولة، إبان الربيع المغربي 2011، لتلبية الشق السياسي من الحراك (إصلاح دستوري بصلاحيات شبه موسعة لرئيس الحكومة والبرلمان وضمانات انتخابات نزيهة وشفافة)، لم يتم الانتباه إلى وجود مطالب اجتماعية ملحة وذات أولوية (ربما أهم من السياسة) إلا مع خروج الدفعات الأولى من المحتجين في عدد من المدن، يطالبون برفع التهميش على مناطقهم وتأهيل بنياتها التحتية والصحية والتعليمية، وإيجاد حلول لمعضلة التنمية المساعدة على الشغل والاستقرار والضامنة للكرامة.
والتقت هذه الدينامية (الانتقال من المركزي إلى الترابي)، مع التراخي في أوساط مؤسسات للوساطة (أحزاب، نقابات، جمعيات..) التي فقدت البوصلة، وتجاوزتها الأحداث وأضحت عالة على نفسها، ما سمح بظهور تعبيرات أخرى في الساحة.
وساعد «تحرير» القطاع النقابي، في السنوات الماضية، على بروز تمثيليات وشرعيات جديدة، تعبر عن نفسها في شكل تنسيقيات فئوية بمطالب وأجندات اجتماعية واضحة ومحددة ودقيقة، واستطاعت أن تفرض صوتها في عدد من القطاعات العمومية، مثل الصحة والتعليم والنقل والتجهيز، وأضحت المفاوض الأساسي لدى المسؤولين والوزراء والحكومة.
أعطت عوامل موضوعية وذاتية قوة دفع كبيرة لبروز هذه التعبيرات القطاعية والفئوية الجديدة، منها نجاح الحكومات و»الباطرونا» في توجيه ضربات قوية لها في العقد الأخير، وإظهارها في موقف ضعف أمام قواعدها، وبمظهر غير القادر على انتزاع الحد الأدنى من المطالب، أو حتى الحفاظ على المكتسبات والحقوق السابقة، والدليل على ذلك عمليات «التهريب» المتعمدة التي تشهدها جلسات الحوار الاجتماعي التي لا تنتهي إلى أي شيء بالمطلق.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى