مجتمع

المعاقون ذهنيا … محرومو الأمة

جمعية بالبيضاء تشكو غياب الدعم ونفور العمال والولاة والوزراء من أطفالها

بين ﺍﻟﺭﻓﺽ ﻭﺍﻹﻫﻤﺎل ﻭﺍﻟﺤﻤﺎﻴﺔ ﺍﻟﺯئدة، يعيش آباء الأطفال المعاقين ذهنيا معاناة أبدية، لا تنتهي عند تنشئة أبنائهم نفسيا وسلوكيا، بل تقض مضجعهم إلى حين ضمان مستقبلهم في مجتمع ما زال ينظر إليهم نظرة دونية.
في المقابل، عملت بعض الجمعيات ومراكز التأهيل النفسي والتربوي، على إطلاق برامج خاصة بتأهيل الأطفال في وضعية إعاقة، استجابة للإرادة الملكية في إدماج هذه الفئة في الحياة العامة، إلا أن مجهوداتها لا تلقى أي تشجيع، أو دعم من قبل الوزارات والسلطات المعنية، وأضحت تعاني تهميشا معنويا، رغم الدور المهم الذي تلعبه. في هذه الورقة تطلعكم “الصباح” على تفاصيل زيارة أحد هذه المراكز، ونبذة عن المشاكل التي تعيشها.

إنجاز: يسرى عويفي وتصوير أحمد جرفي

في منطقة المعاريف بالبيضاء، يقع المركز الطبي التربوي المبكر، التابع لجمعية آباء وأصدقاء الأطفال المعاقين ذهنيا، والذي يتكفل برعاية الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية بأعمار تقل عن 10 سنوات، في الوقت الذي يستقبل فيه المركزان الآخران التابعان للجمعية، بعين الشق (للإناث) ودار بوعزة (للذكور)، الأطفال الذين تفوق أعمارهم 12 سنة، وتصل إلى أزيد من 40 سنة.
داخل هذا المركز، تصطف أقسام مزينة بالرسومات والألعاب والبالونات، وحجرات مجهزة مختصة في التقويم العضلي وأخرى لتقويم النطق، تفصلها ممرات بألوان بهيجة، وورشات للمهارات اليدوية، منفتحة على حديقة للاستراحة والترفيه. في المقابل، يتوزع الأطفال على هذه الفضاءات بشكل يراعي خصوصية كل حالة، وأنواع الإعاقات الذهنية التي يتعامل معها المؤطرون والأساتذة المتخصصون بالمركز، سواء تعلق الأمر بالأطفال المصابين بالتوحد أومتلازمة داون، أو الذين يعانون تأخرا ذهنيا مختلف الحدة.

فصول مختلفة
تبلغ الطاقة الاستيعابية للمركز 110 أطفال، يتوزعون على أقسام مختلفة، اثنان منها مخصصان للأطفال المصابين بالتوحد، نظرا لصعوبة التعامل معهم وخصوصية حالتهم التي تستلزم عزلهم عن باقي الأطفال، والباقي مخصص للإدماج، بالنسبة إلى الوافدين الجدد، والتعليم ما قبل الأولي للاستئناس بالمفاهيم الأساسية في الحروف والتخطيط، والمراقبة والتتبع، والإشراف الطبي، ثم التعليم ما قبل الأكاديمي، الخاص بتلقينهم المكتسبات الأولية، والرصيد اللغوي بغرض تهييئهم للدراسة.
كما يوفر المركز للأطفال المستفيدين وجبات الفطور والغداء واللمجة، وفضاءات للراحة، عبارة عن صالونات تقليدية داخل كل قسم، تحوي تلفازات لعرض الرسوم المتحركة وطاولات عريضة لتقديم الوجبات، بالنظر إلى أنهم يقضون اليوم بأكمله داخل فصوله.
ويتراوح عدد الأساتذة المتخصصين الموجودين في كل قسم، بين 3 لكل 15 طفلا، بالنسبة إلى الأقسام التي تحوي أطفالا ذوي مستوى تعلم متوسط وأكثر استقلالية، وواحدة لكل خمسة أطفال، حدا أقصى، بالنسبة إلى الذين يعانون التوحد.

لكل عالمه
تقول غمراوي فاطمة الزهراء، أستاذة متخصصة بالمركز، إن معظم الوافدين الجدد يجدون صعوبة في التأقلم، خاصة أولئك الذين لم يسبق لهم الخروج من منازلهم، كما يحتاجون معاملة خاصة ووقتا كافيا للاستئناس بالمحيط الجديد، مشيرة إلى أن عددا منهم لا يستطيعون التواصل مع الآخرين في البداية، ويرتدون الحفاظات لأنهم يجهلون كيفية التعبير عن الحاجة إلى الذهاب للمرحاض.
وأكدت غمراوي أن البرنامج البيداغوجي لتعليم الأطفال المعاقين بالمركز، يختلف حسب الحالات ونوعية الإعاقة، إذ يتم الاشتغال مع كل طفل حسب حاجياته بالنظر إلى أن “كل واحد فيهم يعيش في عالمه الخاص”.
وأوضحت المتحدثة ذاتها أن فصول التدريس تشمل وحدات الاستقلالية الذاتية والتواصل والتلوين والتركيز والتقليد والانتباه وتمييز الأشكال، وغيرها من الأنشطة التي تؤهل الأطفال المعاقين للوصول إلى مرحلة ما قبل التمدرس الأكاديمي، مشيرة إلى أن المصابين بالتوحد هم الأصعب تعاملا والأكثر عجزا عن التواصل في البداية، إذ يحتاجون للانشغال بأنشطة متنوعة طيلة الوقت كي لا يصابوا بنوبات القلق، الناتجة عن الإحساس بالفراغ.

مستويات حسب القدرات
يضم المركز أيضا قسما خاصا بتتبع وتقييم حالات الأطفال، تشرف عليه الدكتورة السعدية الجغلالي، اختصاصية نفسية في الإعاقة، وتستقبل فيه كل طفل على حدة بغرض تحديد مستوى استقلاليته الذاتية (القدرة على الأكل وارتداء الملابس والذهاب إلى المرحاض لوحده…)، ومدى استيعابه للألوان والأشكال والأحجام، ثم تقييم فهمه للتواصل وربط الاتصال بالآباء والمدرسين لتحسين جودة التعلم والحياة لهؤلاء الأطفال، سواء داخل المدرسة أو البيت.
وتشرح لنا الجغلالي كيفية إدماج الوافدين الجدد داخل المركز قائلة “حينما تأتي مرحلة الإدماج، يتم عرض الطفل على الاختصاصي النفسي وطبيب الأطفال، ثم نحدد مستوى تواصله وتعاونه ومدى فهمه للتعليمات، ونختار المجموعة التي سيتم دمجه فيها، مع التتبع والملاحظة لشهرين أو ثلاثة”، مشيرة إلى أن السن لا يعتبر عاملا محددا في ترتيب المستويات، “لأن بعض الأطفال ذوي ست سنوات مثلا، قد يتوفرون على قدرات وإمكانيات أولئك الذين يبلغ عمرهم 12 سنة”، ما يدفعهم إلى تقريب المستويات حسب المهارات والمكتسبات التواصلية والاستقلالية الذاتية، وتخصيص ملف خاص لكل طفل بغاية التقييم الشامل لحالته بشكل دوري.

لامبالاة المسؤولين
عاب علي رضوان، رئيس جمعية آباء وأصدقاء الأطفال المعاقين ذهنيا، على الحكومة والوزارات الوصية وبعض ممثلي السلطة المحلية، غياب التواصل مع فعاليات المجتمع المدني المشتغلة في قطاع مجال الإعاقة، مؤكدا أن هيأته وجهت عددا من الرسائل إلى وزراء ومسؤولين في قضايا وملفات تخص الأطفال المعاقين ذهنيا، دون أن تتلقى إجابة، أو مجرد اعتذار، مستدلا على ذلك بالدعوة التي وجهها إلى عامل أنفا لحضور نشاط رياضي توج فيه أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، دون أن يكلف نفسه مجرد رد صغير، أو تكليف أحد موظفي العمالة للحضور، وعدم زيارة الحقاوي، وزيرة الأسرة والتضامن السابقة، لجمعيتهم طيلة السنوات الثماني من توليها منصب الوزارة.
ولفت رضوان الانتباه إلى أن الحكومة والإدارة توجدان في واد وثلاثة ملايين طفل معاق ذهنيا في المغرب في واد آخر، بالنظر إلى أن “المسؤولين يرفضون ترجمة اهتمام الملك للفئات الفقيرة والمعوزة على أرض الواقع، رغم خطاباته وزياراته الميدانية ذات الرسائل الإنسانية الواضحة، وتعليمات رئيس الحكومة ووزير الداخلية للعمال والولاة بأن يخرجوا للاطلاع على أحوال ومشاكل المواطنين، بدل المكوث في مكاتبهم المكيفة”، على حد قوله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق