افتتاحية

حاميها حراميها

يقول المثل المصري: “العيار إللي مَيْصِبشْ يدوشْ”، وبلغتنا الفصيحة: الرصاصة التي لا تقتلك، قد تصيبك بجرح غائر يترك في جسدك “سيكاتريس” إلى الأبد، وهو حال مجلس المستشارين الذي تحلق فوق سمائه، اليوم، غربان توظيفات مشبوهة وتسيب إداري وفوضى تدبير حركت ثمانية فرق للاحتجاج.
فلم يحدث، في تاريخ هذه المؤسسة الدستورية، أن حصل شبه إجماع على إدانة سلوكات وأساليب واستغلال نفوذ وتدخلات من جهات “معينة” للتحكم في خارطة التوظيفات، سواء بالنسبة إلى المناصب الجديدة، أو فرق المستشارين، أو رؤساء الأقسام، وغير ذلك من الممارسات، التي حُررت في شأنها رسائل، ومُهرت بتوقيعات رؤساء فرق، وأرسلت إلى رئيس المجلس ونوابه ووزراء في الحكومة.
وبغض النظر عن صحة هذه الادعاءات التي وردت في مرافعة الفرق البرلمانية من عدمها، فإن مجرد إحداث خدش في جدار ثاني أعلى مؤسسة تشريعية في البلد، قد يكون سببا في إحراج كبير للقائمين على شؤونها، فبالأحرى إذا تعلق الأمر باتهامات، مصدرها برلمانيون، وموضوعها الفساد الإداري و”تلميحات” بتفصيل مناصب تشغيل على مقاس أصدقاء وصديقات وأقارب وأبناء وزوجات!!!
وإذا علمنا أنها ليست المرة الأولى، التي يثار فيها موضوع التوظيفات الفاسدة بمجلس المستشارين، (إذ سبق أن طرح الموضوع نفسه في يونيو الماضي على خلفية مباراة انتقاء رؤساء الأقسام)، فإن الأمر يستدعي إحالة الملف على الجهات الأمنية والقضائية ذات الاختصاص لفتح مسطرة تحقيق قانوني، والاستماع إلى جميع الأطراف وإجراء التحريات الضرورية للوقوف على الحقيقة وترتيب الجزاءات وفقها.
إن القضاء هو الكفيل بحسم موضوع لا يلطخ سمعة مجلس نيابي فحسب، بل صورة بلد بأكمله، ستنقل عنه تقارير السفارات والقنصليات بأن المؤسسة الدستورية التي تشرع وتضع القوانين وتصادق على الميزانيات والسياسات العمومية وتتكلف بتنزيل القوانين التنظيمية للدستور، هي نفسها التي ينخرها الفساد ويوجد بها مسؤولون يتلاعبون في التوظيفات لأغراض شخصية، أو سياسية.
وإذ لا نتهم أي أحد، فمن حقنا أن نتساءل عن القدوة التي تمنحها مؤسسات الدولة “الكبرى” إلى مؤسسات وإدارات أخرى أقل مستوى؟، وكيف يمكن أن نصدق أن الجهة المؤتمنة على وضع القوانين والتشريعات (مثلا قانون زجر الخداع في الامتحانات والمباريات العمومية)، هي أول ما تحوم حولها شبهة خرق القوانين نفسها؟
أكثر من ذلك، إن غرفتي البرلمان، من المفروض أن تشكلا الحصن المنيع لدولة الحق والقانون، بكل مقوماتها ومبادئها المنصوص عليها في الدستور، خاصة مبدأ تكافؤ الفرص والتلازم بين حقوق وواجبات المواطنة، وليس العكس.
للأسف، إن ما يجري اليوم ليس إلا صورة سيئة يتداولها المغاربة، خاصة الشباب والأطفال، عن مؤسسات ينطبق عليها المثل “حاميها حراميها”.
الله غالب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق