ملف الصباح

البيضاء … “وحــلــة” المــدينـة

نظام تدبير بئيس عمق الفوارق بالبيضاء وأحدث مقاطعات نافعة وأخرى غير نافعة

قدمت المدينة، قبل أشهر، حصيلة ثلاث سنوات من التدبير الجماعي، في إطار نظام وحدة المدينة الذي دخل سنته الـ17 دون أي أثر ملموس على إطار عيش السكان، كما فشل في تحقيق أي من أهدافه، ومنها خلق الانسجام وتقليص الفوارق بين المناطق والمقاطعات، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين وتسهيل ولوجهم إلى مشاريع القرب.
وأحدث نظام وحدة المدينة في 2003، بمثابة نظام جديد لإدارة المدن يكرس مبدأ وحدة المدينة المسيرة من قبل المجلس، الذي يمارس كافة المسؤوليات البلدية، وإلى جانبه مجالس للمقاطعات بمثابة وحدات فرعية غير متمتعة بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، مكلفة بتدبير الشؤون التي تتطلب القرب من المواطنين·
ويطبق نظام وحدة المدينة على المدن، التي يفوق عدد سكانها 500 ألف نسمة، وحددت في ست، وهي البيضاء وفاس وطنجة ومراكش وسلا والرباط. وتخضع في تنظيمها وعملها للنظام العام المطبق على الجماعات الحضرية، بالإضافة إلى المقاطعات.
وتوخى المشرع من خلق فكرة وحدة المدينة في بعض المدن، تعبئة إمكانياتها والمؤهلات، التي تتوفر لديها في أفق تدبير أحسن للشأن العام المحلي، يتجاوز سلبيات نظام المدن المقسمة إلى جماعات خاضعة لنظام المجموعة الحضرية، الذي كان مطبقا في 14 من كبريات المراكز الحضرية للمملكة.
وانطلق المشروع الجديد من تشخيص لنظام المجموعة الحضرية، الذي أبان تنزيله عن تضارب وتداخل الاختصاص بين المجموعة والجماعات المكونة لها، وتزايد الفوارق الاقتصادية والمالية داخل المدينة الواحدة، وضعف التناسق الحضري، وغياب تصور شمولي ومنسجم للتسيير والتدبير، وكذا تفتيت الموارد العمومية وهيمنة المشاريع الصغرى على حساب التجهيزات الهيكلية، الأمر الذي جعل وزارة الداخلية تقبل بتغيير هذا التصور، وبإلغاء المجالس الحضرية، وإعمال وحدة المدينة في بعض المدن، في أفق أن تعمم التجربة التي ترى أنها نجحت، رغم الانتقادات التي توجه لها.
لكن ظهر أيضا أن النظام الجديد لم يكن في المستوى المطلوب، بعد تجريبه مدة 17 سنة، بل زادت الفوارق بشكل أكثر حدة، حتى بتنا نتحدث، مثلا في البيضاء عن واحدة نافعة، تضم المقاطعات المحظوظة، مثل المعاريف وعين الشق وأنفا وسيدي بليوط، وأخرى غير نافعة، تضم ما تبقى من مقاطعات.
وعلى مدى سنوات، لم تخلف التجربة (عدا بعض المشاريع المدعمة من الدولة)، أي أثر على السكان والمدينة التي تحولت إلى قرية كبيرة، بسبب زحف جميع مظاهر الترييف عليها، وتحول أحيائها وشوارعها إلى مراع لقطعان الغنم والأبقار وتسييج هوامشها بأحزمة البؤس و»الكاريانات» ودور الصفيح والأسواق العشوائية والاكتظاظ العمراني وسوء التنظيم واحتلال الممتلكات العمومية، ما يغتال كل إمكانية لمفهوم المدينة المـتعارف عليه.
أكثر من ذلك، فقدت البيضاء جاذبيتها بالتدريج، ولم تعد تغري أي أحد، بل يتراجع ترتيبها في سلم التنمية والمنافسة وخلق الفرص والاستثمار، رغم الإمكانيات المالية الهائلة التي تتدفق عليها من الدولة، والاختصاصات والسلط الواسعة والمستقلة، التي يتمتع بها المجلس الجماعي المنتخب في إطار مبدأ التدبير الحر.
وتوجد البيضاء، التي من المفروض أن تشكل قاطرة حيوية للتنمية المجالية والتضامن وخلق فرص الشغل والحياة الكريمة، في وضع صعب، بعد أن وصلت جميع الوصفات والإصلاحات والتعديلات وبرامج المواكبة إلى الباب المسدود، آخرها رفع الوصاية عن الجماعات المحلية وتعويضها بمراقبة بعدية تمارسها السلطات الإدارية في إطار الاختصاصات الموكول إليها.
ومع مرور الزمان، بدأ يظهر أن العطب لا يوجد في القوانين والأنظمة والمواثيق، بل في طبيعة النخبة التي تسير المدينة، أو سيرتها في وقت سابق، إذ يفتقر أغلبها إلى الكفاءة و»الكاريزما» التي تجعل من المنتخبين قيادات محلية وجهوية مؤثرة وفاعلة، سواء على مستوى القرارات والمشاريع، أو الجرأة في التنفيذ، والقدرة على التوقع والبرمجة.
يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق