ملف الصباح

“حضاية” في جلباب “عطاية”

في حقل سياسي ونقابي تحجب سماءه سحب من الغموض و»التخلويض» ومشاريع المؤمرات والانقلابات، لا يمكن تصور أمين عام، أو عضو أساسي في مكتب وطني، أو مسؤول عن شعبة، دون كتيبة من «الحضاية» المنتشرين في جميع اللجان والفروع والأقاليم والجهات والإدارات والوزارات، وفي كل مكان تقريبا، مهمتهم نقل المعلومة والأخبار الطازجة على مدار الساعة لوضع الزعيم في صورة ما يجري بالضبط، ومساعدته على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناســــب.
هؤلاء العملاء من لحم ودم يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق، ويعطون الانطباع دائما أنهم موجودون وحاضرون لخدمة الحزب، أو النقابة، أو الجمعية، أو الهيأة، ولا يترددون في التضحية من أجلها، لكن في حقيقة الأمر هم مجرد ناقلو أخبار، أو «عطاية» للزعيم، حسب التعبير الدارج لـ»مناضلين» من نوع خاص.
ويحكي عضو حزب، لـ»الصباح» أنه كان شاهدا في عدد من المناسبات، على أن الأمين العام للحزب وبعض مقربيه لا يبدؤون اجتماعا إلا بعد أن يتوصلوا بأدق التفاصيل من عملائهم الذين يمدوهم بآخر الأخبار عن وضعية الحزب وفروعه وهياكله ومؤسساته التمثيلية، كما يطلعوا على مشاريع مناورات ومواقف مضادة وأخذ فكرة عليها حتى يسهل الرد عليها.
وقال إن الطلب يزداد على «الحضاية» في لحظات العسر التي يمر منها الحزب التي تتزامن، عادة، مع ظهور بوادر انشقاق، أو تمرد يقوده شخص، أو مجموعة أشخاص لهم وجهات نظر مختلفة مع «الزعيم». هنا يصبح لدور المعلومة والخبر الطازج فعل السلاح البتار لتحقيق ضربات استتباقية ضد الخصوم وإحباط مخططاتهم.
من هذه اللحظات الفارقة أيضا، لحظة المؤتمر الوطني، حيث يكون رأس «الزعيم» هو المطلوب. وهنا لا يجد بدا من الإستعانة بخدمات «كتيبته»، موفرا لأعضائها شروط العمل الأساسية، ومزجيا لهم العطاء والوعود، حتى يتمكنوا من خصومه في عقر فروعهم ومؤتمراتهم المحلية والإقليمية التي تكون مجالا للفرز قبل الوصول إلى المحطة الوطنية.
ويمكن أن يشتغل بعض «الزعماء» على حقول أخرى موازية، يتوفرون فيها على كتائب تزودهم بالمعلومات والأخبار الضرورية التي تساعدهم على تكوين رأي، أو موقف من قضية، و ملف، أو تطور ما.
فلا يمكن تصور مركزية نقابية تشتغل على ملفات العمال ومطالبهم وتناضل لضمان حقوقهم، دون توفرها على «حضاية» ينقلون لها تحركات الوزراء والقطاعات الحكومية ذات الصلة بالحوار الاجتماعي، مثل وزارة المالية، ووزارة التشغيل، ووزارة الوظيفة العمومية، أو ما يجري في ردهات البرلمان ولجانه وكواليس مشاريع القوانين والمراسيم والتعديلات التي قد تطرأ عليها.
وقال عضو قيادي في مركزية نقابية ديمقراطية إن مشاريع الوثائق والقرارات كانت تصل ساخنة إلى المقر قبل الإعلان عنها رسميا، وكثيرا ما ربط الزعماء الاتصال هاتفيا بالوزراء المعنيين بهذه القرارات لتنبيههم لأي تهور قد تكون عواقبه سيئة، فيضطر الوزراء إلى مراجعة أوراقهم.
يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق