fbpx
ملف الصباح

الشعوذة … “فــهــم تـسـطا”

علاقة متناقضة بين عالمين مختلفين أحدهما يمتح من الشرك والثاني من التدين

“يحترق” عشرات الأولياء “الصالحين” والزهاد والمنقطعين إلى الله، يوميا، ببخور الشعوذة والسحر و”مجامير” فك “العكس” و”الثقاف”، كما “يعذبون” يوميا بممارسات غريبة تقام فوق مدافنهم ومقابرهم وعلى جنبات أسوارهم المبجلة.
فعلى نحو غير مفهوم، يمكن لبعض المغاربة أن يضعوا، في سلة واحدة، شيئين متناقضين حد الانفصام: فمن جهة، هناك الشعوذة، باعتبارها ممارسة للخرافات والعقائد البدائية، وتجليا للجهل والأمية في أبشع صورهما، ومن جهة أخرى، هناك المزارات والأضرحة وفضاءات دفن شخصيات دينية وتاريخية عرفت بتعلقها بالدين بكل معاني التسامح والتسامي والنصيحة والرهبنة والتصوف والزهد في ملذات الحياة.
فلا أحد يستطيع إعطاء تفسير لهذه العلاقة الهلامية بين الشيء ونقيضه، لكن جزءا كبيرا من المغاربة يستطيع أن يجد، في كل وقت، نقاط التقاء تحير العقل والترتيب المنطقي للأشياء وتفتح المجال إلى عدد من التأويلات النفسية والاجتماعية والطبية التي تبدأ كي لا تنتهي بالمطلق.
وقد يفاجئك الجواب أحيانا من باحث، أو أستاذ جامعي، أو “مثقف”، حين يطلب منك الكف عن تشغيل العقل في مجال يتطلب تعطيلا مطلقا للتفكير، أو الاستغناء عن طرح الأسئلة في حضرة الطاعة العمياء لأوامر الأسياد والماسكين برقاب الجن والجنيات من المشعوذين والسحرة والمؤتمنين على “الأسرار الكبرى”.
هنا، بالضبط، تدخل العلاقة بين الشعوذة والأضرحة مجال المسكوت عنه والمحظور الذي يفسر الاقتراب منه بمثابة “استفزاز” لملوك وأمراء العوالم الأخرى، وإعلان حرب ضدهم، لا أحد يتكهن بنتائجها.
وتصل الدهشة مداها، حين يصبح بعض الأولياء الصالحين ذوي “البركة” مجرد كائنات غريبة وخرافية لا توجد إلا في المخيلة الشعبية يضفي عليها الزائرون خصائص بشرية، مثل “عائشة مولات المرجة” التي تسكن إحدى المغارات قرب ضريح سيدي علي بنحمدوش بضواحي مكناس، أو “عائشة مولات المواج”، الجنية البحرية، التي تسبح غير بعيد عن شاطئ سلا، إضافة إلى “وليات” آخريات يحملن الاسم نفسه يتخذن مزاراتهن غير بعيد عن أضرحة ومدافن أولياء صالحين عرفوا، قبل عقود، بورعهم وتصوفهم وحفاظهم على منسوب عال من التدين.
بالموازاة، ظل بعض القائمين والحفدة يروضون وظائف المزارات والأضرحة والمواسم السنوية حسب الحاجة والمستجدات والرغبات الطارئة، وإن كانت الورقة الرابحة، اليوم، في عدد من هذه الفضاءات التي تفوح شعوذة، تتعلق بتقديم وصفات وإعطاء الفرصة للمشاركة في طقوس وممارسات وحفلات “جذبات” لفك عقد نفسية وجنسية تلبس رداء الخرافة، مثل “الربط”، أو “الثقاف”.
وإذا وضعنا في عين الاعتبار أن أغلب زبناء الأضرحة والمزارات من المرضى الذين يعانون أمراضا نفسية، يمكن أن نتخيل حجم التأثير وسطوة خطاب ترهيبي من هذا النوع على هؤلاء، وبعضهم يتحول إلى عبد في حضرة سيد يفعل به ما يشاء وقت ما يشاء.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى