fbpx
ملف الصباح

الشعودة … عنبي: ثلاث زوايا

> كيف ترى هيمنة ثقافة الشعوذة والسحر بالمجتمع المغربي؟
> بداية يجب تأطير الشعوذة بالمغرب من ثلاث زوايا، الأولى تاريخية، أي أن المغرب عرف مجموعة من الحضارات القديمة، اعتبرت الشعوذة والسحر مكونا أساسيا لها، فالمفكر “بول باسكون” أكد أن المغاربة مارسوا طقوسا متعددة، واتخذوا من العيون والكهوف والأودية معتقدات للسحر والشعوذة، بعضها ما زال مستمرا إلى اليوم، منها تلك التي ارتبطت بدم الأضاحي، بحكم أنه يشكل مركزية كبيرة في هذا المجال، ووصل الأمر إلى حد الاعتقاد أنه يشفي من الأمراض، وهو ما انتقل مع مجيء الإسلام إلى أضحية عيد الأضحى.
الجانب الثاني يتعلق بالإسلام، فهو ليس مشروعا للتغيير وهذه حقيقة، رغم أن فقهاء ودعاة ادعوا أنه جاء ليغير، فالإسلام كان مشروعا إسلامويا، أي منح صبغته على جميع المظاهر التي كانت سائدة، فعند ظهوره، لم يجد عقولا على شكل صفحات بيضاء، بل تتشكل من مرجعيات أهمها السحر والشعوذة، وبالتالي فالإسلام غذى هذين المكونين، بحكم أن الكثير من المفسرين والفقهاء أقصوا العقل ما فسح المجال للمظاهر الغيبية، بل حتى نصوص القرآن تتحدث عن الغيب والسحر والشعوذة، ما زاد من قوة هذا المعتقد لدى المغاربة.
الجانب الثالث وهو النظام التعليمي، وكما حال سائر البلدان العربية والإسلامية، لا يعتمد على العقل، بل الحفظ وغيرها من الطرق التقليدية، وبالتالي فقتل العقل، يفسح المجال لانتشار ثقافة السحر والشعوذة.

> رغم حملات التوعية، نجحت الشعوذة في التغلغل في المجتمع، ما قولك؟
> ما يعطي القوة ويمنح التوازن للسحر والشعوذة في المجتمع المغربي، هو صعود التيارات الدينية، التي تحمل مشعل الرقية الشرعية وفك السحر ومحاربة الجن. هذه التيارات كرست هذه الثقافة في المجتمع، كما لا يجب إغفال مؤسسات الدولة، بحكم أن جميع من يعاني أمراضا نفسية، ينظر إليها وصمة عار، فيلجؤون بسبب غياب العقل إلى “حوانيت” تبيع منتوج السحر والشعوذة في حلة جديدة، ناهيك عن دور الإعلام بعد انتشار قنوات شيوخ يدعون علاج السحر، وبالتالي فاليوم يمكننا الحديث عن مأسسة الشعوذة، إذ أصبحت داخل مؤسسة الإعلام ووكالات خاصة، وهي أمور زادت من صعود الطلب على الشعوذة، دون أن ننسى أنها صارت تجارة تدر دخلا كبيرا، فيكفي أن فك طلاسم السحر يصل ثمنه إلى 30 ألف درهم، ساهم في ذلك استغلال المشعوذين للفضاء الرقمي عبر نشر دعوات موجهة إلى ضعاف العقل.

> يدعي محترفو الشعوذة قدراتهم على علاج أمراض مستعصية ما تعليقك؟
> على العكس، للشعوذة أضرار كبيرة، فالحديث عن وجود جن داخل إنسان مجرد خرافة، بل مس للذات الإلهية، بحكم أن محترفيها يدعون أنهم يعرفون أسرار القرآن وكأن الله اختارهم دون باقي المسلمين، وهو ما يضرب العدالة الإلهية، وبالتالي فالحديث عن جن سكن إنسانا مجرد أوهام، لأن للجن عالمه الخاص به بعيد عن عالم الإنسان.
أما الطلاسم فلا تفشي من الأمراض، بل هي تمظهرات نفسية، عندما يتوهم المرء، أنه مسكون بالجن أو يعاني أضرارا سببتها له أرواح غيبية. ويبقى الجانب الأخير، الذي سبب فعلا أمراضا خطيرة وهو ما يعرف لدى العامة بـ”التوكال” لأنه عبارة عن مواد سامة، تتكون من جلود حيوانات وأظافر وزجاج، تسبب أمراضا عضوية وتؤثر على الجهاز العقلي والنفسي، فيظهر المرء بشكل من الخمول والكسل، ما يعطي انطباعا أنه أدى مفعوله بشكل كامل في إخضاعه.

* أستاذ علم الاجتماع بجامعة ابن زهر بأكادير

أجرى الحوار : مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى