fbpx
خاص

السيولة البنكية … “الفلوس غابرة”

«الصباح» تسلط الضوء على كيفية اختفائها ووصفة الحكومة لاسترجاعها

تعددت تدخلات بنك المغرب في السوق المالي، خلال الأشهر الأخيرة، لضخ السيولة وتلبية حاجيات البنوك إليها، بسبب تراجع ودائع الزبناء التي تعتبر مورد السيولة الرئيسي للمؤسسات البنكية، وارتفاع حجم المبادلات التي تؤدى نقدا، ما أثر بشكل ملحوظ على مخزون البنوك من النقود. ويضطر البنك المركزي إلى ضخ مبالغ تتراوح بين 65 و 78 في الأسبوع للاستجابة لحاجيات السوق المالية. فما هي روافد السيولة البنكية؟
وماهي الأسباب التي تقف وراء تراجع منسوبها لدى البنوك؟ وماهي الإجراءات التي اتخذتها الحكومة من أجل تجاوز الوضع الحالي؟
عبد الواحد كنفاوي

66 % من موارد البنوك ودائع الزبناء

تعتبر ودائع الزبناء أهم مورد للسيولة بالنسبة إلى البنوك، إذ تمثل 66 في المائة من إجمالي الودائع، وتظل حسابات الزبناء تحت الطلب أهم مورد مالي بالنسبة إلى البنوك، علما أنها لا تؤدي عنها أي فوائد لأصحابها، ما يجعلها موارد تحصل عليها بالمجان.
وتشير معطيات بنك المغرب إلى أن الودائع تحت الطلب تجاوزت 511 مليار درهم. وتصل حسابات الادخار إلى 120 مليار درهم. وناهزت القيمة الإجمالية للودائع لأجل 172 مليار درهم.
وتمثل ودائع مقاولات القطاعين العام والخاص أحد المصادر المالية للمؤسسات المالية، إذ وصلت إلى 186 مليار درهم. وتناهزودائع الهيآت المالية لدى البنوك، خاصة شركات التأمينات وهيآت التوظيف الجماعي للقيم المنقولة 30 مليار درهم. وتمثل موارد شركات التأمين المودعة لدى البنوك 13 في المائة من إجمالي ودائع الهيآت المالية.
بالمقابل لا تتعدى الأموال الذاتية للمؤسسات البنكية نسبة 8.6 في المائة من إجمالي الموارد المتاحة لها، إذ لا تتعدى قيمتها الإجمالية 94 مليارا و232 مليون درهم.
وتعمد البنوك إلى الاقتراض سواء من خلال السوق الداخلي أو الخارجي من أجل تلبية حاجياتها من السيولة، إذ تصل نسبة القروض المحصل عليها من مؤسسات الاقتراض 11.9 في المائة من إجمالي الموارد البنكية، ما يناهز 129 مليارا و 882 مليون درهم، مسجلة ارتفاعا بنسبة 8.6 في المائة، بالمقارنة مع الفترة ذاتها من السنة الماضية، منها 97 مليار درهم عبارة عن قروض بالدرهم، في حين تمثل القروض بالعملة الصعبة 25 في المائة من المجموع.
وتمثل سندات الاقتراض 8.2 في المائة من إجمالي موارد البنوك بقيمة تصل إلى 89 مليارا و 844 مليون درهم.

موارد بالمجان يعاد إقراضها بفائدة
يمثل جمع الادخار وتمويل الاقتصاد من المهام الأساسية للبنوك، إذ تعمل على تحفيز الخواص والمقاولات والمؤسسات التي توظف الأموال على إيداع المدخرات لديها مقابل سعر فائدة يتم تحديده حسب قانون العرض والطلب، وتعيد توظيف هذه الأموال والموارد التي لديها في حسابات تحت الطلب، من خلال منح قروض مقابل فوائد أو بتوظيفها في سندات الخزينة والأسواق المالية، ما يمكنها من تحقيق هامش ربح هام، إذ أدت، خلال السنة الماضية، 10 ملايير درهم لأصحاب الودائع لأجل، واستخلصت 37.8 مليارا من الفوائد على القروض، ما مكنها من تحقيق صافي أرباح وصل إلى 27.8 ملايير درهم. وهكذا، فإن البنوك تعمل بالمثل الشعبي القائل «من لحيتو لقم ليه»، فهي لا تتوفر على الأموال الذاتية الكافية للاستجابة لطلبات القروض، إذ لا تكفي لتغطية 14 % من القروض الممنوحة. وبالرجوع إلى تقرير بنك المغرب نجد أن الأموال الذاتية لم تتجاوز، خلال الفترة ذاتها، 109 ملايير درهم، في حين وزعت البنوك 775 مليار درهم من القروض. كيف ذلك؟
في الواقع تستخدم البنوك ودائع زبنائها من أجل منح القروض لمن يطلبها، وبذلك فهي تتوسط بين الذين يتوفرون على مدخرات مالية يودون توظيفها أو وضعها في مكان آمن وبين الأشخاص الذين يبحثون عن تمويلات. ويمكنها استخدام 96 في المائة من القيمة الإجمالية للودائع لتقديم القروض، في حين يتعين عليها إيداع 4 في المائة من القيمة الإجمالية لودائع زبنائها لدى بنك المغرب، وهو ما يعرف بمعدل الاحتياط الإجباري. وأصبحت البنوك تتقاضى على هذه الودائع فوائد بعد أن كانت تودعها دون مقابل في حساب لدى البنك المركزي.
فإذا أودع شخص، على سبيل المثال، 100 ألف درهم وديعة لدى مؤسسته البنكية، فإنها تستعمل هذا المبلغ في حدود 96 ألف درهم لتقديم القروض للزبناء الذين يطلبونها. وإذا افترضنا أن شخصا طلب قرضا بمبلغ 96 ألف درهم، فإن المؤسسة البنكية ستقدم له المبلغ من وديعة زبونها الأول، وإذا قرر المستفيد من القرض وضع المبلغ في مؤسسته البنكية، في انتظار توظيفه، فبإمكانها استعمال المبلغ لمنح قرض لشخص ثالث، وذلك في حدود 96 في المائة من القيمة الإجمالية للوديعة (96 ألف درهم)، على أن تودع احتياطا بقيمة 3840 درهما لدى بنك المغرب (4 في المائة من 96 ألف درهم) وتوظف الباقي في منح القروض وهكذا، وانطلاقا من مبلغ أولي، فإن عمليات الإقراض تساهم في توفير النقود. وتستمر البنوك في استخلاص فوائد على القروض التي تمنحها. وتقتطع، إضافة إلى ذلك، عمولات على تدبير الحسابات الجارية.

“رب نافعة ضارة”!
شنت الضرائب والجمارك حملة، خلال السنوات الأخيرة على المتهربين والمتملصين من أداء مستحقات الدولة، استخدمت فيها كل الوسائل القانونية المتاحة، خاصة مسطرة الإشعار للغير الحائز، التي يتم، بمقتضاها، الحجز على الحسابات البنكية للأشخاص المعنيين لتحصيل الديون العمومية. وتمكنت الإدارات المكلفة بالتحصيل من رفع الموارد المالية للخزينة، لكنها أدت في نهاية الأمر إلى تجفيف خزائن البنوك من السيولة، إذ عمد المتهربون من أداء مستحقات الدولة إلى سحب أموالهم وإيداعها في أماكن خارج القنوات البنكية، كما ارتفع حجم التعاملات التي تؤدى نقدا، ما أدى إلى ارتفاع عمليات سحب النقود من البنوك، ليتفاقم حجز السيولة.
وأكدت معطيات بنك المغرب ارتفاع حجم النقود التي تروج خارج القنوات البنكية، إذ وصلت القيمة الإجمالية للتعاملات نقدا، خلال عشرة أشهر الأولى من السنة الجارية، إلى 248 مليار درهم.
بالمقابل عرفت الودائع لأجل تراجعا بناقص 5 في المائة، خلال الفترة ذاتها، مقارنة بالسنة الماضية، لتستقر في حدود 153 مليار درهم. وساهمت الحملة التي شنتها الضرائب والجمارك، إضافة إلى تشديد المراقبة والإجراءات الاحترازية لمحاربة تبييض الأموال، بشكل كبير في أزمة السيولة التي تعانيها البنوك، إذ أصبح عدد من الأشخاص الذاتيين والمعنويين يتفادون التعامل بوسائل الأداء المكتوبة، مثل الشيك والتحويلات البنكية والكمبيالات بسبب تشديد المراقبة على التحويلات المالية، في إطار الإجراءات المتخذة لمحاربة تبييض الأموال، ما جعل عددا منهم يفضلون التعامل نقدا.

العفو مقابل المال
دفعت أزمة السيولة الحكومة إلى اعتماد كل ما من شأنه أن ينعش خزائن البنوك، بعدما تأكد أن المقاربة، التي اعتمدت من أجل ملاحقة المتهربين من أداء مستحقات الدولة كانت لها عواقب وخيمة على الاقتصاد، إذ في غياب السيولة لا يمكن للبنوك أن تلعب دورها الأساسي المتمثل في تمويل الاقتصاد.
وتضمن قانون المالية للسنة المقبلة إجراءات عفو على الذين يوجدون في وضعية مخالفة لقوانين الصرف ومدونة الضرائب. وهكذا تم إقرار عفو عن الأشخاص الذين يتوفرون على أموال يودعونها خارج القنوات البنكية، شرط أن يتم التصريح بها وأداء 5 في المائة فقط من المبلغ وإيداع الرصيد في أحد البنوك، التي ستتكفل بتحصيل مبلغ المساهمة الإبرائية، ويهم القرار، أيضا، الأشخاص الذين صدرت في حقهم إشعارات بالحجز على حساباتهم في إطار مسطرة الإشعار للغير الحائز، واضطروا إلى التعامل نقدا لتفادي الحجز على المبالغ المحصل عليها إذا حولوها إلى حساباتهم، واضطروا إلى عدم التصريح بها لدى إدارات الضرائب، ما جعلهم في وضعية تهرب ضريبي. ويعتبر أداء هذه المساهمة بمثابة إبراء من أداء الضريبة على الدخل وكذا الذعائر والغرامات والزيادات المتعلقة بها. ولا يشترط أن يدلي الشخص الراغب في الاستفادة من العفو بما يثبت مصادر هذه الأموال.
وتضمن قانون المالية عفوا على أصحاب الممتلكات والموجودات المنشأة بالخارج، التي لم يتم التصريح بها لمكتب الصرف وإدارات الضرائب، ويهم هذا الإجراء الأشخاص الذاتيين والاعتباريين المتوفرين على إقامة أو مقر اجتماعي أو موطن ضريبي بالمغرب. ويشترط للاستفادة من العفو أداء نسبة مساهمة إبرائية في حدود 10 في المائة من قيمة اقتناء الممتلكات العقارية بالخارج أو اكتتاب أو اقتناء الأصول المالية والقيم المنقولة وغيرها من سندات رأس المال أو الديون المنشأة بالخارج، و5 في المائة من مبلغ الموجودات النقدية بالعملة المرجعة للمغرب والمودعة في حسابات بالعملة الأجنبية أو بالدرهم القابل للتحويل، و2 في المائة من مبلغ السيولة بالعملة المرجعة للمغرب والمباعة في سوق الصرف بالمغرب. ويتعين على الراغبين في الاستفادة من هذه الإجراءات أن يجلبوا السيولة إلى المغرب، وبيع نسبة 25 في المائة منها في سوق الصرف بالمغرب، مقابل الدرهم مع إمكانية إيداع الباقي في حسابات بالعملة، أو بالدرهم القابل للتحويل لدى بنوك بالمغرب.
وتهدف كل هذه الإجراءات إلى إنعاش السيولة لدى المؤسسات البنكية، التي ستضطلع بدور محوري في هذه العملية، إذ هي التي ستتكفل بتلقي الطلبات وتحصيل المساهمات الإبرائية.
بالموازاة مع ذلك، أقرت لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب مقترحا من الخزينة العامة للمملكة، يقضي بإقرار عفو عن أصحاب الشيكات دون مؤونة، الذين منعوا من إصدار شيكات، مقابل أداء غرامة بقيمة 1.5 في المائة من مبلغ الشيك لفائدة الخزينة العامة، ما سيمكنهم من الاستفادة من التعامل مجددا بالشيك وإنعاش السيولة بالبنوك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق