منبر

قضية مصطفى سلمة بين الحقوقي والسياسي والدبلوماسي

حظيت قضية مصطفى سلمة ولد سيدي مولود باهتمام وطني ودولي غير مسبوق، بيد أن الوعي بأهمية أبعاد القضية لم تتجاوز المقاربة الحقوقية البحثة في التعاطي مع محنة مصطفى سلمة، رغم أنه لا يمكن اختزال القضية ببساطة في مسألة حرية التعبير أو في مواجهة شخصية فردية لمصطفى لجماعة منظمة ممثلة في بوليساريو مدعومة بالجزائر .
إن قضية مصطفى سلمة تتقاطع فيها الأبعاد السياسية والدبلوماسية بامتياز، إذ صرح ممثل الأمم المتحدة بالمنطقة في ظل الأزمة بضرورة «توفر النية الحسنة لدى أطراف النزاع، «وضرورة «عمل الجزائر على دعم المفاوضات وتقدمها»، الشيء الذي يؤكد أن قضية مصطفى سلمة لا يمكن حصرها في البعد الحقوقي فقط، لأنها فتحت منافذ جديدة للبحث والدراسة في العلاقات الدولية وفي أسس وأخلاقيات المفاوضات الدبلوماسية مع إعادة النظر في مفهوم «تقرير المصير» وسياقاته الدولية المتباينة بين الأمس واليوم في عالم سريع التحول يعطي الأسبقية للأقطاب الدولية الاقتصادية،على حساب بلقنة الخرائط وصناعة كيانات هشة لا تتوفر على مقومات الدولة القادرة على منح مواطنيها آمال الاستقرار والازدهار، فلا يكتب لها العيش في أحسن الأحوال إلا كأعباء ثقيلة على المنتظم  الدولي وبؤر للتوتر والعنف والتهريب والإرهاب.
من هذا المنطلق والأفق، إذا كان الحقوقيون قد عبروا عن مواقفهم في لحظة الأزمة الحالية، فإن الباحثين في العلاقات الدولية  والعلوم السياسية والاجتماعية والنفسية ملزمون بسبر أغوار مصطفى سلمة من خلال مدى تاريخ المفاوضات لتبيين  الإستراتيجية التفاوضية لكل طرف وفرز مواقف المتدخلين المباشرين وموقع المنتظم الدولي من خلال الوقوف على أسس وسلوكات وأساليب كل طرف وقصد فرز الأنساق التفاعلية العقلانية والواقعية والايجابية عن تلك الأنانية الانطلاقية المطلقة
والسلبية، ومن اجل إبراز الجهود الشرعية الإنسانية من المواقف الأحادية القهرية.
إن قضية مصطفى سلمة أظهرت، لحد الآن، أن هناك إستراتيجيتين متناقضتين بين المغرب وبوليساريو بمعية الجزائر  
أ – إستراتيجية الاستجابة المبدئية: التي تقوم على عرض مصلحة معينة وتقديم منفعة ما لجميع الأطراف بغية الوصول إلى تسوية نهائية للنزاع، وهي إستراتيجية مؤطرة بوجود إرادة حقيقية وقوية لدى المغرب للوصول إلى اتفاق يحصل فيه كل طرف على منفعة ما بدل لاشيء مع الرغبة في تفادي الصراع والتناحر الذي يعكر حياة الصحراويين في عيش حياة مستقرة، وهي إستراتيجية تتمفصل جهودها الفردية والمجتمعية المدنية والرسمية من أجل بناء جسور التفاوض والتفاعل الايجابيين للوصول إلى أفضل حل وتجنب أسوأ تسوية ممكنة لهذا الطرف أو ذاك، علما أن تفاعلات المغرب انتقلت في مدى زمني وجيز، من رفض الاستفتاء إلى اقتراح الحكم الذاتي فيما ظل بوليساريو أحادي الموقف.
ب- إستراتيجية القهر والتناحر: التي تتشبث بالحلول الإرادوية وتقوم على السير قدما نحو إذكاء أسلوب التناحر المتمثل في التهديد بالعودة  للحرب وتصيد مواقف الآخر، وجعلها فرصا دائمة للتوتر والدفاع عن أوضاع خاطئة من خلال التركيز على الموقف العدائي والعدواني وسوء النية، وليس على المنفعة المباشرة والواقعية للصحراويين، وهي إستراتيجية تصب في الطريق المسدود الذي يمتح مما يسمى في علم التفاوض «معضلة الجبا « الذي يصر على تحقيق أهدافه بمفرده بغض النظر عن إمكانية تحققها، والذي يسخر لذلك كل أنواع الأذى والسوء والتهديد .
وإذا كان مصطفى سلمة من خلال المقترح المغربي يتمثل في تقديم أرضية مشتركة قادرة على نقل اختيارات الصحراويين من  داخل المخيمات إلى مرحلة جديدة من الوعي، والتفكير لاتخاذ قرارات جريئة تؤثر في مسار التفاوض المستقبلي، فإن بوليساريو يتميز بإصراره على تعميق الصراعات بتوجيه من الجزائر التي ما فتئت تعمل على استنزاف وقت الصحراويين ونسف الجهود الايجابية والحسنة لأبنائهم في العيش الكريم،
والانتقال من الغربة والخوف إلى تحقيق الذات والإحساس بالأمان.
إن هذا التناقض في المعطيات والوقائع والحقائق يؤكد أن المغرب يعمل على الرقي بمستوى العرض الذي يقدمه بجهود إنسانية سلمية تقترح مكتسبات تاريخية واقعية لكل المعنيين، وأنه بالمقابل يصطدم بالتفاعلات السلبية المتمثلة في مصادرة الحقوق وفي الاعتقال
والتعذيب والتخوين والمحاكمة وإثارة الكراهية والرهان على كل شيء لنسف الحلول الواقعية، وهذا يعني أن أفق البصيرة السياسية لبوليساريو لا مكان فيه لبرمجة أجندة تفاوضية بديلة وايجابية على أسس جهود إنسانية، بل لا يتورع  في العمل على تشويه الحقائق وتدمير كل توازن نفسي وكل تفاعل عقلاني أواه من الدوغمائيات الإطلاقية ومقابلته بلغة النار والحديد.
إن قوة أطروحة مصطفى سلمة تكمن في شجاعة تكسير التفكير الأحادي وتقويض كل نيابة ووكالة غير شرعية عن الصحراويين
والانتقال إلى الحوار المباشر معهم والتفاعل الميداني  بالمخيمات لنشر ثقافة حوارية صحراوية جديدة تعمق الإحساس بالممكن
وبالواقع وبالعقلاني، وتنأى عن ثقافة المطلق والقاتل والمقتول
والأمان المفتقد في المخيمات إلى ما لا نهاية حيث تتسرب الأجيال من الحياة دون مبرر.
إن هذه الأطروحة الاختبارية المفاجئة لمصطفى سلمة عملت على تعرية حقيقة إستراتيجية بوليساريو أمام المنتظم الدولي الذي خرج، هذه المرة،عن الحياد وبات مسؤولا عن حياة مصطفى سلمة وعن حريته كما قوضت إستراتيجية الجزائر التي كانت تظن أنها القائد و المحرك الوحيد لكل حيثيات القضية حيث انهارت حساباتها أمام المنتظم الدولي الذي أصبح يحملها المسؤولية المباشرة
والأولى ليس عن حياة مصطفى سلمة فقط، ولكن عن كل المواقف السلبية في القضية وفي تعثر المفاوضات.  
د. إدريس قصوري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق