افتتاحية

الحكامة والتحكم

من أهم أسباب فشل أطر الداخلية في امتحان الإدارة الترابية أن الدولة لم تحسم في المطلوب من الولاة والعمال. لم نخرج بعد من عهد محاربة “كل ما من شأنه” المساس بالنظام العام وتعثر المسار نحو الإدارة الذكية وتعطلت مصالح البلاد في صراع عقلية التحكم ونداء الحكامة.
لن يستقيم سير الداخلية نحو الحكامة الترابية إلا إذا تخلى رجالها عن منطق اعتبار المنتخبين والمستثمرين خصوما وليسوا شركاء، وتجاوزوا خندق “الضبط والربط” إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية.
نحتاج إلى ثقافة جديدة متماهية مع التطور التشريعي، يتطلب اليسر وتطرد العسر في أفق تطوير اللامركزية الترابية وتعزيز العدالة المجالية، والحرص على نجاعة السياسات العمومية في التعامل مع أوساط الاستثمار والجماعات الترابية بالتدبير التشاركي.
ليس هناك دليل على فشل إدارتنا الترابية أقوى من توالي الانتقادات الملكية منذ عقدين من الزمن وتجريب كل أنواع أطر الداخلية ومازالت العقلية الحاكمة في كواليس “أم الوزرات” تفرض نظام الترقية العسكرية في سلالمها، بذريعة أن كل ضابط يمكن أن يصبح جنرالا، في حين أن الوالي والعامل ينبغي أن يكونا مثل رئيس حكومة يتقن لغة الاقتصاد والسياسة في مواجهة خوف الرساميل وتجاذبات برلمانات الجهات والأقاليم والجماعات.
آن أوان التفريق بين الولاة والموالاة وجعل المهام الترابية خارج شبكة المكافأة، التي تجعل الحاصل على المنصب يتصرف بتفكير صاحب “مأذونية”، أو بمنطق المقيم العام الذي يعتبر نفسه فوق الجميع، وأن كل مخاطبيه مذنبون حتى يثبت العكس.
وكما في كل مرة يزور الملك البيضاء يشتعل فتيل تسريبات غضبات ملكية تدين عمالا لا يفعلون إلا صلاحيات المراقبة والرفض والتجميد ووقف الأوراش والتشدد في المساطر، إلى أن أصبحت دوائر نفوذهم جزرا هجرها المستثمرون.
سقط أغلب المعينين الجدد بالمناصب الترابية في متاهة الهروب من الفخاخ التي أنهت مهام سابقيهم، فكانت النتيجة تشددا غير مبرر نتج عنه “بلوكاج” في مسار التنمية التي ينادي بها الملك دون أن تجد لها آذانا صاغية في الداخلية، إلى حد أصبح هناك تضارب في الخطاب والممارسة بين الولاة والعمال من جهة والوزير من جهة أخرى، إذ كيف يشتكي المستثمرون من تحكم رجال “أم الوزارات” في الجهات والأقاليم والعمالات في الوقت الذي يصرخ فيه الوزير بضرورة دعم المقاولة في إحداث فرص الشغل، وترسيخ الثقة بين المستثمر والإدارة وجميع الفاعلين الآخرين.
ستتوالى خيبات لفتيت إلا إذا اعتمدت الداخلية في تعييناتها منطق الكفاءة، التي تأخذ بعين الاعتبار أن منصب الوالي أو العامل لم يعد يتطلب في صاحبه أن يكون مجرد “سلطة” بل “إدارة” كذلك.
والله يجيب لي يفهمنا… !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض