ملف الصباح

مراقبة الأبناء … صدام عقليات

آباء لا يريدون أن يشب أبناؤهم عن الطوق وأولاد يرفضون طريقة الوالدين القديمة التي لا تواكب زمنهم

الحديث عن العلاقة بين الأبناء والوالدين هو حديث ذو شجون، ويقلب الكثير من المواجع والآلام الدفينة، سواء بالنسبة إلى الأبناء، أو بالنسبة إلى الأب أو الأم، لأن غياب التفاهم والانسجام بين أطراف هذه العلاقة الشائكة، يؤدي أحيانا كثيرة إلى تصادمات، أو إلى قطيعة على المدى الطويل، حين يكبر الأبناء ويصبحون متمتعين باستقلاليتهم.

سيدة قراري
حنان، شابة تجاوزت الثلاثين من عمرها، تعمل موظفة في بنك، غير متزوجة، تحدثت ل»الصباح»، عن علاقتها بوالديها، التي أصبحت تثقل عليها كثيرا، خاصة أنهما لا يريدان أن يفهما أنها أصبحت امرأة ناضجة ومستقلة اقتصاديا وسيدة قرارها. تحكي عن علاقتها مع والدتها قائلة: «إنها ترفض أن تستوعب أنني كبرت ولم أعد تلك الطفلة الصغيرة التي عليها أن ترافقها في كل مكان، إلى عرس الجيران ووليمة العائلة والحمام والسوق… ترفض أن أخرج عن سيطرتها وسلطتها، فهي تراني دائما تلك الفتاة الغرّة، التي لا تفهم في الحياة شيئا، ويمكنها أن تتعرض لأذى الآخرين دون أن تكون قادرة على رده، وبالتالي فهي حصني الحصين والمخولة الوحيدة للدفاع عني وحمايتي. مرات عديدة، حاولت أن أشرح لها أن التقدم في السن وتجارب الحياة والعمل غيرتني، وأن ما مررت به من مشاكل سواء شخصية أم مهنية، قوّاني وجعلني أرى الأمور بنظرة أخرى، وغير في الكثير، لكن دون جدوى. لذلك أتفادى النقاش معها لأنه غالبا ما يؤدي بنا إلى الصدام. أعيش في عالمي الخاص، وأتركها داخل قوقعتها التي تجرها دائما إلى عقلية الماضي. أحب والدتي كثيرا لكن الفجوة بيننا تزداد يوما بعد آخر». أما عن علاقتها بوالدها، فتقول عنها إنها علاقة عادية، يشوبها الاحترام المتبادل، ولا تتعدى بعض النصائح البسيطة التي يقدمها لها بين الفينة والأخرى، والتي تجدها «مقبولة»، لأنه لا يسعى من خلالها إلى أن يتدخل في حياتها أو يضغط عليها، تقول.

جيل رقمي
من جهتها، لا تؤمن سلمى، صاحبة مقاولة تبلغ من العمر 34 سنة، متزوجة ووالدة لابنة في 14 من عمرها، بما يسمى «صراع الأجيال»، وتعتقد أنه يتعين على الآباء أن يبذلوا كل ما في وسعهم، من أجل تفادي الوصول إلى مرحلة الصراع مع أبنائهم، وذلك من خلال التخلص من العقلية القديمة ومسايرة روح العصر والانسجام مع التطورات، لأن الزمن غير الزمن. تقول، في لقاء مع «الصباح»: «أبناء اليوم ينتمون إلى عصر الرقمنة والتكنولوجيا، ولا يمكن أن تفهمه أو تؤثر عليه بأفكار متقادمة، لأنك حينها ستعزله عن عصره ومجتمعه، وتنفرد به، فيكون استثناء بين أبناء جيله. في نظري، يجب أن نمنح أبناءنا أكبر قدر من الحرية، من أجل أن يعيشوا عصرهم وزمنهم، طبعا في نطاق الممكن والمنطقي والمعقول، ووفق معايير التربية والأخلاق والأسس، التي ستظل راسخة لا تتغير رغم تغير واختلاف الأجيال، مثل الاحترام والتربية. وإلا ستكون الفجوة بيننا وبينهم شديدة الاتساع».
أقمعها «واخا عندها الحق»
ومن خلال تجربتها الشخصية مع ابنتها، تؤكد سلمى أن الاختلاف بين جيلها وجيل ابنتها واضح جدا. تقول «لا تقبل أن أقرر لا أنا ولا والدها في مكانها. يجب أن تكون مقتنعة بالقرار. لذلك تسأل كثيرا لماذا عليها أن تفعل هذا وليس ذاك… ماشي غير آجي وقول ليها ديري… خاصها تفهم ونفسرو ليها بشكل منطقي»، ثم تضيف «صحيح أنني أحاول أن أساير طريقة تفكيرها، لكنني حين أتعب من كثرة الأسئلة والتفسيرات، ألجأ إلى القمع».
وتجد سلمى صعوبة أحيانا في إقناع ابنتها بصواب رأيها أو طلبها، وتعرف في قرارة نفسها أن ابنتها معها حق في ما تقوله، لكنها تفرض رأيها عليها رغم ذلك. تحكي كيف أن ابنتها ترفض مثلا أن تسلم على أحد أصدقاء والدها حين يستضيفه في المنزل، لأنها تعودت أن تسمعه يقول كلمات نابية ويتحدث بعنف مع زوجته، لذلك كونت فكرة سيئة عنه. «في كل مرة أطلب منها أن تسلم عليه ترفض، وحين أقول لها إنه من واجب الاحترام أن تحيي الضيف، تجيبني أنه هو نفسه غير محترم، وأنها لا تكن له أي مودة وليست مجبرة على تحيته أو السلام عليه. ورغم أنني أعرف في قرارة نفسي أنها على حق، إلا أنني أجبرها على الأمر».
المراهقة… مرحلة الصراع
كريمة، صحافية، في الخمسينات من العمر، وأم لشابين يافعين، اعتبرت أن الاختلافات بين الأبناء والآباء تظهر بشكل خاص أثناء فترة المراهقة، لأنها الفترة التي يرغب فيها الطفل في إبراز شخصيته وفرض استقلاليته، في الوقت الذي يظل هاجس الحماية حاضرا بقوة لدى الأب أو الأم. تقول، في لقاء مع «الصباح»: «انطلاقا من هذه النقطة، يولد سوء التفاهم. فالابن يعتقد أن والديه لا يفهمانه ولا يفهمان احتياجاته، لكنه في الوقت نفسه، لا يريد أن يعبّر عنها. إنه يريد أن يظهر ناضجا وكبير السن أمام أصدقائه وأبناء الجيران، ولا يقبل أن يتعرض إلى القمع أو يخضع لسلطة الوالدين».

“السياسة” هي الحل
ونصحت كريمة باللجوء إلى «السياسة» في التعامل مع الأبناء في مرحلة المراهقة، لأنها مرحلة حرجة مليئة بالمشاكل. إذ يمكن مثلا مراقبتهم عن بعد، دون أن تشعرهم بقلة الثقة فيهم. وتتحدث عن تجربتها مع ابنها قائلة «حين كان ابني يزور أصدقائه في منازلهم، كنت أتصل به كل لحظة وحين لأغرقه بالأسئلة أو لأطلب منه العودة إلى البيت لأنه تأخر. وكانت تلك التصرفات تغضبه، لذلك كان يعود إلى البيت مكفهر الوجه وينعزل في غرفته، وحين أسأله عما به، يجيبني أنني أكثر عليه الاتصالات والأسئلة وأنني لا أثق فيه. غيرت الخطة، وبدأت أتصل بوالدي أصدقائه على هاتف المنزل القار، وأسأل عن الأحوال دون أن يعرف أنني اتصلت أو سألت». ثم تضيف «لم يكن للأمر أي علاقة بانعدام الثقة فيه أو في أخلاقه وتربيته، لكنني، باعتباري أما، أخاف من الوسط الذي يحيط به».

حرية مقننة
وأضافت كريمة أن على الوالدين أن يضعا مساحة وحدودا لأبنائهما في مرحلة الطفولة. فكلما منحتهم بعض الحرية، طالبوا بالمزيد. تقول «يجب أن نمنحهم في حدود المسموح به. يجب أن نتعلم أن نقول لا أمام بعض طلباتهم وإلحاحاتهم، دون استعمال العنف. علينا أن نوجههم الوجهة الصحيحة ليجدوا بعد ذلك طريقهم في الحياة، كما علينا أن نتابع تعليمهم ويكون له الأولوية، خاصة في ظل المغريات التي يجدونها اليوم من أنترنت وتلفزيون وألعاب فيديو وغيرها».

“إيلا كبر ولدك خاويه”
حمل أحمد، من جهته، المسؤولية، إلى الوالدين، في بناء جدار من عدم التفاهم مع أبنائهم، لأنهم يتعاملون معهم بالطريقة التي تعامل بها معهم آباؤهم، رغم اختلاف الزمن وتغير العقليات وتطورها. ويعتبر أن المثل القائل «إيلا كبر ولدك خاويه»، معبّرا بشكل جيد عما يجب أن تكون عليه الأمور، رغم أن العديدين لا يعملون به. وقال، في لقاء مع «الصباح»: «لا يجب أن نتعامل مع الأبناء بتعال. وكأنهم لا يفهمون شيئا وحنا بوحدنا اللي قافزين وعايقين. أبناؤنا أذكياء بما فيه الكفاية، لكننا للأسف لا نريد أن نرى ذلك ونتعامى عنه».

نورا الفواري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق