حوادثمقالات الرأي

الشهبي: الحق في التعويض العادل (3/3)

السبب الحقيقي لصدور ظهير 1984 هو الأزمة الاقتصادية والمالية (3/3)

بقلم: محمد الشهبي*

إن هذا القانون جعل من الإنسان فقط منفعة اقتصادية، ولا تعويض له ولا ذوي حقوقه إلا في حدود ما تم فقدانه. هذه المنفعة الاقتصادية، تتجلى على سبيل المثال: شخصان لهما السن والأجرة نفساهما توفيا في حادثة سير، أحدهما له 3 أطفال والثاني 6 أطفال أبناء الثاني سيحصلون على نصف التعويض الذي سيأخذه أبناء الأول، والحال أن سبب التعويض هو وفاة الأب.
الجانب الثالث: الأسباب التي كانت وراء سن هذا القانون غير مقبولة ولا مطابقة للواقع
أ)- فهي غير مقبولة لأن مجرد الادعاء، بأن هناك بعض التضارب في الأحكام المتعلقة بالتعويض لضحايا حوادث السير واتسام بعضها بالمبالغة في تقدير التعويض من قبل بعض المحاكم وهي واقعة فيها بعض المبالغة، لا يمكن أن تكون وحدها سندا لهدم المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه العدالة وهو السلطة التقديرية لقاضي الموضوع، فكيف نبرر تجريد القضاة من السلطة التقديرية في تحديد التعويضات المستحقة لضحايا حوادث السير (التي فيها تأمين) ونتركها لهم في غيرها، وكيف نجرد القضاء من السلطة التقديرية لتحديد تعويضات لا تزيد عن كونها تعويضات مالية ونتركها لهم في العقوبات، وهي مس بالحرية، فهل مجرد وجود بعض الأحكام كيفما كان عددها اتسمت ببعض المبالغة يجعلنا نسن قانونا يمس بالمبدأ الأساسي الذي تقوم عليه العدالة ونخلق نوعا من اللبس في أذهاننا بأن القضاء غير عادل، في قضايا حوادث السير ويجب تجريده من سلطته في التقدير.
ب)- وهي غير صحيحة، لأن الذين كانوا وراء هذا النص والمدافعين عنه يبنون موقفهم على أساس تزايد حوادث السير وهي واقعة مختلقة، ذلك بالرجوع إلى الإحصائيات المضبوظة التي أدليت بها في ندوة 1986، فإن نسبة حوادث السير إلى عدد الناقلات آنذاك في 1983 كانت هي 3.44 % بعد أن انخفضت من سنة 1974 حيث كانت 5.71 %، وأفاجئكم اليوم بأن أقول بأنه من 1986 إلى الآن انخفضت نسبة حوادث السير البدنية إلى عدد الناقلات إلى حوالي 2% لأن عدد الناقلات اليوم بالضبط حسب آخر الإحصائيات هو 4.030.000 ناقلة منها 2.800.000 سيارة عادية و 1.100.000 سيارة تجارية و 130.000 دراجة نارية وعدد حوادث السير 96.133 حادثة أي حادثة لكل 41,90 ناقلة بعد أن كانت سنة 1973 حادثة لكل 17,81 ناقلة وانخفضت سنة 1983 إلى حادثة لكل 29 ناقلة (حسب معطيات الواردة في العرض الذي تقدمت به سنة 1986 ) وانخفض إلى حادثة لكل 41,90 ناقلة، إذا طبقنا قاعدة النسبة بعد أن كانت حوادث السير تشكل سنة 1973 إلى 5,61 % من عدد الناقلة انخفضت سنة 1983 إلى 3,44 % واليوم تشكل حوالي 2.38 % من عدد الناقلات.
ج)- لأنه وخلافا لما أثير قبل صدور هذا الظهير من أن وضعية شركات التأمين على أبواب الإفلاس، فإنه بعد صدوره بفترة وجيزة تبين أن سبب الوضعية التي تعيشها بعض شركات التأمين التي كان التأمين على السيارات يغلب على نشاطها غير ناتج عن التعويضات التي تمنحها بل عن الاختلاسات، وبالملايير التي عرفتها مما أدى آنذاك إلى إيقاف مسيريها وإحالتهم على القضاء وتعيين مصفين لها، وسحب رخصها، وهنا أتذكر أنه في العرض الذي تقدمت به في 1986. قبل هذه الواقعة قلت:
“… إننا نتساءل عن مدى صحة ما يذهب إليه القائلون بأن قطاع التأمين عن السيارات يعرف عجزا، وإذا كان هناك عجز فعلا ألا تكون له أسباب أخرى غير حجم التعويضات الممنوحة للمصابين ” وقد كنت أقصد ذلك.
هذا وجدير بالإشارة لهذه المناسبة إلى أن شركات التأمين العاملة في المغرب حققت في 2017 أرباحا صافية بلغت 470 مليون دولار أي حوالي 4 ملايير و 526 مليون درهم، وهو مبلغ الأرباح نفسه، الذي حققه المكتب الشريف للفوسفاط في السنة نفسها.
وأن إحدى شركات التامين غير المرتبة على رأس شركات التأمين بيعت في 2018 بأزيد من مليار دولار، فهل شركات التأمين تعرف عجزا. في الوقت الذي ظل هذا القانون جامدا، والجدول لم يتم مراجعته منذ 35 سنة إلا مرة واحدة منذ 20 سنة، وكلنا على علم بتزايد وارتفاع أقساط التأمين وكم تضاعفت.
وفي الختام لابد من الإشارة إلى مسألة أساسية حاسمة:
إن السبب الحقيقي لصدور ظهير 2 أكتوبر 1984 هو الأزمة الاقتصادية والمالية التي كان يعيشها المغرب آنذاك لأننا كنا نعيش فترة التقويم الهيكلي ولأن سنة 1982 تم إيقاف التصميم الخماسي، وكانت الأزمة الاقتصادية من بين الأسباب ولا شك التي استغلتها شركات التأمين. اليوم الأزمة الاقتصادية انتهت ونحن في الرتبة 53 عالميا في مناخ الأعمال. اليوم انخفضت حوادث السير بسبب تطور تقنيات السيارات ووسائل التحكم فيها بسبب تحسن مستوى الطرق “ولينا نعرفو نسوقو”. قضاؤنا اليوم بخير ومستقل وأصبح سلطة لا يمكن لأحد أن يؤاخذ على المبالغة في تقدير التعويضات. إذا كنا سنؤاخذ على المبالغة في تقدير التعويضات لماذا لا نؤاخذه على العقوبات الماسة بالحرية.
آن الآوان لا لتعديل الظهير بل القول بأن الأسباب التي أدت إلى صدوره انتهت والتراجع عنه، أو على الأقل إعادة النظر في المبادئ التي اعتمدها.
اسمحوا لي قبل الختام أن أذكركم بمسألتين لما رجعت إلى العدد 25 من مجلة المحاماة وأعدت قراءة العروض التي قدمت خلال هاته الندوة أثارت انتباهي مداخلة قيمة للأستاذ ادريس الضحاك الذي قال في مداخلته آنذاك:
” إن الذي اثار انتباهي، خلافا لكثير من المناظرات التي سبق أن شاركت فيها، هو هذا الحماس المنقطع النظير الذي برهن عنه كل من تناول الكلمة، حماس يكاد أحيانا يصل إلى الدفاع بشكل جهاد عن فكرة، وهذا أمر نادر الوقوع في كثير من المناظرات، ويبرهن من جهة أخرى على الاعتزاز بالأفكار التي يحملها كل من تناول الكلمة، وهذا التقمص الشخصي للأفكار لدرجة ” المصارعة الفكرية ” إذا صحت تسميتها كذلك، هو الذي أضفى على هذه المناظرة طابعا جديدا ستكون نتائجه، دون شك، تعبيرا صادقا عن جميع الاتجاهات الواقعية في هذا الموضوع.
وفي مكان آخر قال سيادته”.. وهنا أفتح قوسا لأجيب عن أحد التعليقات حول مفهوم الشركة في التأمين التي تسمى كذلك تجاوزا لأنها في الواقع ليست شركات تجارية بمعنى الكلمة…”
فإذا لم تكن تجارية ولم تكن بالتالي غايتها الربح إذن هذا سبب إضافي بالقول أنه بعد أن تحسنت أحوالها كثيرا، أن ينعكس ذلك إيجابا على ضحايا الحوادث التي يتسبب فيها المؤمنون لديها.
* نقيب سابق بهيأة المحامين بالبيضاء

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق