افتتاحية

“الهوتة”

لم تكن سابقة حضور وزير الداخلية إلى اللقاء السنوي بين وزير المالية والباطرونا حدثا عاديا، إذ كشفت أن تدني منسوب الثقة بين الدولة ورجال الأعمال، وصل إلى خط الخطر، خاصة عند سماع خطاب الطمأنة الذي وصل حد مواجهة غضب المستثمرين بهدية الأراضي السلالية، إذ تعهد عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية بتخصيص جميع الأراضي العمومية الواقعة في محيط المدن الكبرى، والتي غالبا ما تقترح لتصبح مشاريع عقارية، لتحتضن حصريا استثمارات منتجة، وخصوصا منها المناطق الصناعية.
لكن خطورة الوضع أصبحت تفرض أكثر من إطلاق العنان للتعهدات الفضفاضة، خاصة في ظل توالي الأرقام المقلقة من قبيل سحب 17 مليار درهم من البنوك، وما سبقها من مؤشرات عن انكماش اقتصادي وانحسار في رواج السيولة، جعلت أصحاب الرساميل المستثمرة يعبرون عن سأمهم من الأقوال، التي لم تترجم بعد إلى أفعال.
تعددت البرامج وتناسلت المخططات وكثرت الأسماء، (دعم ونهوض وإقلاع)، لكن دون جدوى في مواجهة سيناريوهات (كساد وإفلاس وسقوط) ، في ظل غياب المواكبة والتتبع بعد تخلي الدولة عن مقاولات تغرق في بحور منافسة غير متكافئة زادت من حدتها تداعيات اتفاقيات تبادل حر، جعلت المغرب أسير تخصص المناولة لماركات خارجية.
ما الفائدة من تخصيص كل أراضي الضواحي للصناعات المنتجة، إذا كان التصدير قد أصبح من المستحيلات، والسوق الداخلية تكسرت أسوارها في مواجهة المنتجات الوافدة من الخارج، في غياب مخططات بعيدة الأمد تمتد على سنوات، تعيد بناء الاقتصاد بشكل يتلاءم مع مستجدات العرض والطلب الوطني والعالمي، عوض التباهي باستقبال معامل شركات كبرى لا يختار أصحابها الاستثمار في المغرب حبا فيه، أو دعما لاقتصاده، وإنما بحثا عن “الهوتة” الكبرى المتمثلة في تدني أجور العمال، إذ لن تجد مجموعة مصنعة للسيارات مثلا يدا عاملة تتقاضى ثلاثة آلاف درهم، التي تشكل العرض الغالب في كل منشآت الصناعات..
تضمنت خطبة لفتيت في حضرة المقاولين المغاربة تعسفا في حق المنعشين، أسقط مسلمة ثابتة، مفادها أنه عندما ينتعش العقار يتحرك الاقتصاد، إذ أصدر أحكاما قاسية وكال اتهامات ثقيلة وصلت حد وصف المراكز الجهوية للاستثمار بأنها لم تكن سوى آليات لإنتاج الرخص الاستثنائية للتعمير، متناسيا أن المدن الجديدة التي فتحت باب الحق في السكن لعموم المغاربة، بنيت بهذا النوع من الرخص.
لقد كانت الرخص الاستثنائية في التعمير وصفة لمعالجة أخطاء الإدارة وقصور القوانين، إذ لم يكن ممكنا إطلاق مشاريع السكن الاقتصادي في البيضاء على سبيل المثال بدونها، وترحيل مئات الآلاف نحو تيط مليل و الهراويين والمجاطية وبوسكورة ومديونة ودار بوعزة… كان على الوزير أن يكون أكثر دقة في تشخيص أعطاب تدبير آلية تحويل الأراضي الفلاحية إلى فضاءات عمرانية، وكيف حولها الابتزاز إلى ريع يسيل لعاب المسؤولين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض