ملف عـــــــدالة

الداودي: قناعة القاضي

< ما هي قراءتكم لقضية اعتراف متهم على متهم؟
< شهادة الشهود وسيلة للإثبات في المادة الجنائية تخضع لضوابط وقواعد سطرها القانون، الذي ينبني على المبادئ العامة من بينها: حرية الإثبات التي تعتمد على حرية الخصوم في تقديم الدليل واختياره، وكذا حرية القاضي في تكوين اقتناعه من الأدلة المقدمة إليه، وبما أن اقتناع القاضي نابع من الأصل في ضمانات الحرية الشخصية للمتهم، فإنه يبقى مقيدا بمعايير يلزم توافرها لبناء حكم سالم.
القانون يمنح للمتهم ضمانات : عدم أداء اليمين، وعدم الإجابة إلا بحضور محام وحقه في الصمت وعدم الإجابة أصلا وإتاحة الفرصة له في إبعاد التهمة عنه، حيث إنه من المفروض أن هذه الحقوق التي يتمتع بها المتهم تضعف الثقة في ما يصدر عنه من تصريحات، التي يجب أن تتوافر فيها العناصر الواجبة لوجود الحكم بالإدانة، أي أنه يمكن أن تبنى الأحكام بناء على الاعترافات المجردة وغير المعززة بقرائن أخرى، سواء أكان اعترافا ضد النفس أو ضد الغير.
طالما أن "شهادة" واحدة صادرة عن متهم دليل إدانة ضد غيره، وبالتالي فإن التصريحات المجردة الصادرة عن متهم ضد آخر لا يمكن أن تعد دليلا قانونيا، بل هي خرق للمادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية التي تقول "كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يُعد بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية ويُفسر الشك لصالح المتهم".
إذن، فإذا كان دليل الإدانة هو مجرد شهادة متهم، فهذا يعني أن الشك مهيمن وعملا بمقتضيات المادة السابقة، فمن واجب المحكمة أن تقضي وجوبا بالبراءة.

< متى يمكن اعتبار المساطر الاستنادية أو المرجعية وسيلة لتصفية حسابات؟
< لا تخلو العلاقات الاجتماعية من السلبيات الكثيرة المؤثرة في التفاهم والتعاون والتسامح، وغيرها من مكونات أساسية في استقرار المجتمع، ويلاحظ ذلك في أشكال مختلفة من سلوكات تعكس الخلل وغياب الضوابط أو القواعد الحاكمة للتعقل في التصرفات. نقول ذلك بعد أن انتشرت بيننا ظاهرة غريبة تعكس مرضا اجتماعيا ونفسيا عند البعض يتمثل في التصادم والانتقام فتكون النتيجة أقرب إلى ما يسمى "تصفية الحسابات" بين الأفراد.
واعتراف متهم على متهم، هو صورة من صور الانتقام وتصفية الحسابات أمام مرحلة التقاضي، غير أن السؤال المطروح، هو هل يمكن الاعتداد بشهادة متهم على متهم وتحقيق غاية الشاهد المُنتقم في تصفية حسابه مع المتهم الذي يحاكم.

< ما هي الإجراءات التي يجب اتخاذها لتجاوز هذه المواقف المتناقضة؟
< أعتقد أن القضاء له السلطة التقديرية الكاملة للحسم في شهادة متهم على متهم، وبالتالي إما الأخذ بها أو استبعادها.
ويظل العمل بالمساطر الاستنادية أمرا مرتبطا بالقناعة الشخصية لكل قاض وكذا كل قضية على حدة، أي نوع القضية وكذا شخصية المتهم.
*محام بهيأة البيضاء
أجرى الحوار : محمد بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق