ملف الصباح

الاستثمار: الرشوة … عائق أمام الإصلاح

آفة تقاوم مشاريع الإصلاح المؤسساتي والتنظيمي والقانوني وتضع المغرب في قائمة الدول “المشبوهة”

لم ينتج قطاع في المغرب ترسانة قانونية متناسقة ومتكاملة ومندمجة، كما حصل بقطاع مكافحة الرشوة والفساد والتصدي إلى مظاهرهما وانعكاساتهما على الاقتصاد والاستثمار، وعلى تدني خدمات الصحة والتعليم والعدل والشغل.
فخلال أقل من ثماني سنوات، أنتج المغرب سيلا من القوانين وأصدر جبالا من المراسيم والمذكرات والدوريات وأنشأ عشرات اللجان والهيآت للتصدي إلى هذه الآفة، التي تنخر الإدارة العمومية ومجالات الحياة المختلفة، دون أن يفلح في ذلك.
على مستوى الظاهر، يبدو أن الحكومة تولي أهمية قصوى لمحاربة كل أشكال الفساد واقتصاد الريع، من خلال تقوية أدوار مؤسسات الرقابة وتكريس استقلالها وتفعيل توصياتها، والعمل على تخليق الحياة العامة ونشر قيم النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فعلى المستوى المؤسساتي، انتقل المغرب من مجرد هيأة مركزية للوقاية من الرشوة إلى هيأة وطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، في أفق تعزيز استقلالية هذه المؤسسة وتوسيع صلاحياتها لتشمل مكافحة الفساد والوقاية منه، خصوصا من خلال المبادرة والتنسيق والإشراف وضمان تتبع وتنفيذ السياسات العمومية ذات الصلة وتلقي ونشر المعلومات والمساهمة في تخليق الحياة العامة وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة.
ووضع المغرب، في الإطار نفسه، قانونا متعلقا بمجلس المنافسة يحدد العلاقات بين المجلس ومختلف هيآت التقنين الأخرى والاختصاصات، التي سيضطلع بها للسهر على ضمان احترام المنافسة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
هناك أيضا، إحداث لجنة مشتركة بين الوزارات على مستوى وزارة العدل تتكلف بدراسة وتفعيل توصيات المجلس الأعلى للحسابات، تفعيلا للمبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة.
وبموازاة العمل المؤسساتي، وضعت الحكومة ترسانة من المراسيم التنظيمية والقانونية لتحصين الصفقات العمومية، بإدخال مجموعة من التعديلات الكفيلة بضمان المزيد من الشفافية وتكافؤ الفرص في تمرير الصفقات العمومية، مثل توحيد التشريع بالنسبة إلى جميع إدارات ومؤسسات الدولة وتبسيط وتوضيح المساطر وإرساء قواعد وآليات لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة وتقوية الشفافية والتخليق، إضافة إلى إصدار المرسوم المتعلق بالضابطة الجديدة للبناء، الذي يهدف إلى تبسيط وتعزيز شفافية المساطر المتعلقة برخص البناء والسكن وكل ما يتعلق بالتعمير.
وعلى المستوى الإجرائي، يبدو للمواطنين أن الأمور «تشتغل» في إطار تعزيز وتفعيل دور المفتشيات العامة للوزارات وتوسيع مجال اختصاصاتها لتشمل المراقبة والتحري والتفتيش وتدعيم الأخلاقيات والتدقيق وتقييم النتائج، وتنزيل المرسوم المتعلق بمسطرة التعيين في المناصب العليا لفتح المجال للجميع للولوج لهذه المناصب وفق معايير الكفاءة والاستحقاق، وإعداد مشروع قانون ينظم الحق في الوصول للمعلومات التي بحوزة الإدارة، ووضع ميثاق لتحسين حكامة المنشآت والمؤسسات العمومية وإصلاح نظام مراقبة الدولة.
إصلاحات بالجملة في مستويات ومجالات مختلفة، لم تعط أكلها إلا في نطاق ضيق جدا إلى حد الآن، ما يتطلب من الحكومة البحث في «مناطق» أخرى، تعتبر المزود الأساسي لاستفحال الظاهرة.
فاجتماعيا، لم تعد الرشوة، بأسمائها ومبرراتها المختلفة، أمرا «مزعجا» بالنسبة إلى عدد من المواطنين، الذين يتباهون بامتلاكهم قدرة خارقة على فتح الأبواب الموصدة وإتقان أساليب «دهن السير يسير»، وهي أبلغ عبارة مغربية تدل على تفشي هذا الداء في الدماء والعروق.
والأكثر خطورة أن «التدويرة» و»قهيوة» لا تكون دائما بغرض تيسير غرض إداري، أو الحصول على خدمة عمومية، أو على حق مستحق، أو غير مستحق، بل تستعمل أداة لتأسيس «علاقات» مستقبلية مع موظف، وأحيانا على سبيل التعاطف، أو وسيلة للتكافل الاجتماعي مع فئة من الموظفين ينظر إليهم مواطنون بشفقة ويدفعون لهم تحت شعار «والله حتا دايزة فيهم الرشوة مساكن».
فهذا الجدار التربوي والثقافي ما يمد الرشوة بأنواع الحياة وخراطيم الأوكسجين، ويصنع حولها هالة من التعاطف والشرعية، التي تجعل من سلوك خطير مقبولا اجتماعيا، أو غير مدان، بل مستحب عند فئة كبيرة من المواطنين.

يوسف الساكت

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض