ملف الصباح

حمضي: اختلالات المنظومة الصحية

غياب رؤية إستراتيجية وضعف الميزانية وقلة الموارد البشرية ونقص في الحكامة

خص الدكتور طيب حمضي، رئيس النقابة الوطنية للطب العام، “الصباح” بمقال يشخص الاختلالات التي تعرفها المنظومة الصحية، والتي فشلت الحكومات المتعاقبة في معالجتها رغم الإجماع حول تشخيص الوضعية، ودعوة الملك إلى مراجعة جذرية للمنظومة الصحية في خطاب العرش السنة الماضية. فيما يلي نص المقال:
* الدكتور طيب حمضي

من أهم الاختلالات، غياب الرؤية الإستراتيجية للمسألة الصحية بالمغرب، إذ أن السياسة الصحية تختلف بتعاقب الوزراء، بينما قطاع الصحة على غرار القطاعات الإستراتيجية الأخرى يجب ان ينبني على رؤى إستراتيجية تتلاءم وحاجيات البلاد وطبيعتها ومخططاتها المستقبلية وإمكانياتها وتطلعاتها وطبيعة التطورات الجهوية والدولية والصحية عالميا والتطور العلمي.

غياب الرؤى الإستراتيجية
وترجع أسباب هذه الوضعية إلى أسباب مؤسساتية (غياب المجلس الأعلى للصحة)، وسياسية (تعاقب حكومات مختلطة) وتدبيرية أهمها أن كل مسؤول في قطاع مرتبط بالصحة يخطط لنجاح ولايته، ولا يخطط على المستوى البعيد، لأنه يريد تحقيق نجاحات آنية تحسب له ولجهته، ولو كانت مؤقتة تكون على حساب التقهقر على المستوى الإستراتيجي.

إشكالية الولوج إلى العلاج
يشكل ضعف الولوج إلى العلاج، بسبب نقص العرض الصحي بشكل عام (في القطاعات مجتمعة) ، وهنا يمكن إعطاء مؤشر معدل 0.6 استشارة طبية لمغربي بالسنة، أي أن المواطن لا يراجع الطبيب إلا مرة كل 22 شهرا تقريبا، بينما يراجع المواطن الفرنسي الطبيب كل شهر تقريبا.

نقص الموارد البشرية
يعاني القطاع الصحي نقصا مهولا في الأطباء، وأطباء أسنان والصيادلة والممرضين والتقنيين، ما يؤثر سلبا على نجاعة العرض الصحي وعلى سلامة بيئة العمل بالنسبة إلى المهنيين. إن عدد الأطباء في المغرب حوالي 22 ألف طبيب بين كل القطاعات وحوالي 30 ألفا من المهن شبه الطبية من ممرضين وغيرهم. وحسب مقاييس المنظمة العالمية للصحة، فإن الحد الأدنى لتوفير عرض حي ملائم، يفرض على المغرب زيادة حوالي 30 ألف طبيب وعدد مشابه من المهنيين الصحيين الآخرين. في الجزائر مثلا هناك حوالي 60 ألف طبيب، وبفرنسا يوجد 250 ألف طبيب.

تفاوتات جغرافية واجتماعية
لا يعاني المغرب ضعف الموارد البشرية والخدمات الصحية الدرجة نفسها. فإذا كان هناك نقص عام، فإن بعض المناطق تعاني بشكل مضاعف، بسبب سوء توزيع العرض الصحي والموارد البشرية من كل القطاعات على التراب الوطني. هذه الاختلالات المجالية واضحة بين الجهات وبين المدينة والبادية داخل الجهات نفسها. ويتمركز حوالي 52 في المائة من الأطباء في محور الجديدة البيضاء الرباط القنيطرة. كما تتمركز المستشفيات والمصحات والمؤسسات الصحية العمومية والخاصة في جهة البيضاء بأزيد من 4300 طبيب، في حين لا يتجاوز العدد بجهة العيون الساقية الحمراء 150 طبيبا.

ضعف الإنفاق الصحي
تشكل الميزانيات المخصصة للصحة عائقا كبيرا أمام تطوير الخدمات الصحية. وعموما الإنفاق الصحي بالمغرب أقل من 1600 درهم لكل مواطن بالسنة، ونصف المبلغ تصرفه الأسر من ميزانياتها الخاصة، في حين أن دول الجوار مثل تونس والجزائر تصرف ضعف وثلاث مرات أكثر.

ميزانية ضعيفة
إن ميزانية وزارة الصحة بالمغرب تشكل 7,7 في المائة من الميزانية العامة، و 5,5 في المائة من الناتج الداخلي الخام. في حين تشكل في تونس 13 ونصف في المائة من الميزانية العامة و 6,7 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
وتساوي ميزانية وزارة الصحة فيما 20 درهما لكل مواطن في السنة. كما أن 50 في المائة من الإنفاق الصحي العام تتحمله الأسر، 25 في المائة منها تقريبا لصناديق التأمين.

ضعف التغطية الصحية
يتوفر 62 في المائة من المغاربة على تغطية صحية ( قطاع خاص، عام، الجيش، التامينات الخاصة، الطلبة، نظام راميد ..)، وينتظر أن تصل النسبة إلى 90 في المائة في السنوات المقبلة، إذا تيسرت تغطية غير الأجراء والمستقلين.
وفي الواقع، لا تفي التغطية الصحية بالمطلوب، بسبب مشكلة “راميد” الذي لا يوفر للمستفيدين منه الولوج إلى العلاج إلا بالمؤسسات العمومية، وفي حدود مضبوطة. ويؤدي المستفيدون من التغطية الصحية الإجبارية 40 في المائة من مصاريف التداوي من جيوبهم، رغم التغطية بالنسبة للقطاع الخاص، وثلث المصاريف بالنسبة إلى موظفي القطاع العام. وتتعدى هذه النسبة أزيد من النصف، إذا احتسبنا العلاجات غير الاستشفائية.
ويبلغ مجمل المساهمات في التغطية الصحية الإجبارية حوالي 11 مليار درهم، والمصاريف 7,8 ملايير درهم. هذه المصاريف ترتفع سنة بعد أخرى، مما يقلص الفائض الذي يوفره الأجراء بالقطاع الخاص أساسا، ويعرض الصناديق لمشاكل التوازن المالي في السنوات القليلة المقبلة.

الاستشفاء بدل الوقاية
انتقلت السياسات الصحية عالميا من التركيز على الاستشفائي لصالح الوقاية والعلاجات الأساسية والأولية. إن المغرب لم ينخرط كليا في هذا الانتقال، فالسياسات الصحية اليوم تركز على طب القرب والعلاجات الأولية والوقاية لتفادي الوصول للمراحل المتأخرة والخطيرة من الأمراض، وهو ما يوفر الحياة والصحة والقدرة على العمل من جهة، و يوفر الأموال الكثيرة التي تصرف على الحالات المتأخرة دون نتائج، عكس الوقاية والعلاج الأولي الذي يصرف مبالغ قليلة ويحقق نتائج أفضل.

الانتقال الديمغرافي والوبائي
من المشاكل التي تعانيها المنظومة الصحية الوطنية، مشكلة الانتقال الديمغرافي والوبائي. فالمجتمع يتحول من مجتمع شاب إلى مجتمع بنسبة مرتفعة من الشيخوخة، مع ما يتطلبه ذلك من زيادة في الرعاية الصحية والإنفاق. ويشكل حاليا من هم فوق 60 سنة، حوالي11 في المائة من السكان، وسيشكلون ربعها في 2050. ثلثا هذه الفئة العمرية تعاني على الأقل مرضا مزمنا واحدا (خمسهم يعاني السكري والثلث من ارتفاع الضغط). هذا التغير الجغرافي يشكل ضغطا كبيرا على الموارد الصحية وجب التهيؤ له جيدا.
كما يعرف المغرب على غرار باقي الدول انتقالا وبائيا، إذ تراجعت نسبة الأمراض المتنقلة وتزداد الأمراض المزمنة (سكري، ضغط دموي ، سرطانات، ….) والتي تتطلب علاجات باهظة وسياسات وقائية مهمة. فـ 75 في المائة اليوم من الوفيات مرتبطة بأمراض وإصابات من صنف الأمراض غير المتنقلة.

* رئيس النقابة الوطنية للطب العام

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق