افتتاحية

روح القانون

أعطى العفو الملكي على هاجر الريسوني ومن معها، المحكومين بالحبس بتهمة الإجهاض والمشاركة، درسا في استقصاء روح القوانين ومقاصد الشريعة، إذ أشار بلاغ وزارة العدل بهذا الخصوص إلى حرص جلالته على حفظ مستقبل الخطيبين، اللذين كانا يعتزمان تكوين أسرة طبقا للشرع والقانون.
وبغض النظر عن حمولته الإنسانية، فقد حمل قرار العفو بين ثناياه إشارات إلى المشرع بأن هناك قضايا تثير ملابساتها مخيلة القاضي، وما إذا كانت هناك دوافع نفسية أو عقلية أو مرضية أو حتى ظروف خاصة، أدت إلى حدوث الفعل الإجرامي.
لكن القاضي عندما يبحث في النصوص عن روح القانون وما أتاحته من إمكانية العقوبة، أو حتى وقف العقوبة، يصطدم بحواجز تشريعية سببها أن بعض مقتضيات القوانين الجنائية وغيرها لا تحتمل أي خيارات ولا تتيح أي سلطة تقديرية.
وشاءت الصدف أن تتزامن القضية مع “بلوكاج” في تعديل القانون الجنائي، تتعلق أهم مستجداته بإعادة النظر في تجريم الإجهاض، وجاءت محاكمة الريسوني ومن معها للدلالة على أن هناك خللا ما في القوانين، وحاجة ملحة لتحيينها وتعديلها، بما ينسجم مع الاجتهادات الفقهية النيرة وتطور المجتمع.
لقد نبه العفو إلى أن هناك ضرورات تبيح المحظورات، وأن لم شمل أسرة أهم من تطبيق صارم لقوانين جامدة.
وجب على الجميع، بعد هذه الإشارة، التحلي بمرونة المقاصد في درء المفاسد، خاصة من قبل الحزب الحاكم المتحكم في أغلبية المشرعين، للنجاح في امتحان تقنين الإجهاض.
في ظل اختلاف بين الأحزاب وحتى داخل الأغلبية الحكومية نفسها، فحزب العدالة والتنمية، سبق أن عبر عن رفضه المطلق لمسألة توسيع الحالات المسموح بها لإجراء الإجهاض وربطها بالحريات الفردية، في وقت يدافع فيه الاتحاد الاشتراكي عن ضرورة جعل الإجهاض مشروعا في جميع الحالات.
العفو سيكون محفزا للحسم بين الفرق النيابية من أجل أن يكون هناك مقترح موحد لمسألة الإجهاض، بالنظر إلى اختلاف المرجعيات السياسية في الأغلبية والمعارضة للذهاب أبعد من المشروع المعروض على البرلمان، الذي حقق تقدما في مقارنته بالقانون الجنائي السابق، لكن وجب اعتماد تعديلات تجعل الإجهاض ضمن الحريات الفردية.
وسيكون من الأجدى أن يتخلص المحافظون في الأحزاب من المواقف البالية، والامتثال لمخرجات تداول عمومي قد ينهي تردد الفاعلين السياسيين، بخصوص ملاءمة الإطار التشريعي لبلدنا مع أحكام الوثيقة الدستورية والمواثيق الدولية وتكييف هذا الإطار مع الممارسات المجتمعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق