حوادث

تفاصيل جريمة أناسي

الإهانة والغيرة من الأبناء دفعت الأم للانتقام ومستشفى الهاروشي تحول إلى مواجهات بين عائلة الضحايا وصحافيين

إنجاز : مصطفى لطفي – تصوير: (عبد الحق خليفة)

مازال تضارب المعلومات حول دوافع امرأة للتخلص من أطفالها الثلاثة برميهم من سطح عمارة بمنطقة أناسي بالبيضاء، سيد الموقف، وسط تكتم شديد في إجراءات التحقيق، الذي تشرف عليه الشرطة القضائية بالمنطقة. قبل أن تظهر معطيات أولية أنها ضحية سوء معاملة من قبل الزوج وتفضيله الأبناء عليها، لتقرر الانتقام منهم.

الكل أجمع على أن الأم تعاني مرضا نفسيا، فمحاولة قتل فلذات كبدها بهذه الطريقة البشعة، لا تقوم بها إلا من عانت ضغوطا اجتماعية أفقدتها بصيرتها، وإن كان هذا الطرح لقي معارضة من قبل مقربين، خصوصا الجيران، الذين أجمعوا على أنها كانت في حالة نفسية عادية قبل الجريمة.
بمستشفى الهاروشي للأطفال بالبيضاء، وضع والد وأقارب الأطفال الثلاثة والجيران قلوبهم على أياديهم كلما دبت حركة غير عادية بين الطاقم الطبي. عاشوا لحظات عصيبة، خصوصا بعد أن تقرر وضع الأشقاء الثلاثة في قسم المستعجلات بعد إخضاعهم لفحوصات خاصة.
كان والدهم في وضعية نفسية مهزوزة، الخوف بدا على ملامحه من فقدان أحدهم، خصوصا صغيرهم البالغ من العمر 10 أشهر، الذي ارتطم لحظة سقوطه بأرض إسمنتية، تسببت له في كسور خطيرة في الجمجمة وباقي الأطراف، عكس شقيقيه، اللذين سقطا في الحديقة، وكانت إصابتهما أقل خطورة.
بعد اطمئنان الأب على أبنائه، ووقوفه على مدى الاهتمام الكبير للطاقم الطبي بحالتهم الصحية، غادر إلى مقر الشرطة القضائية بسيدي البرنوصي، لمواصلة الاستماع إليه، لمعرفة الأسباب الحقيقية التي دفعت زوجته إلى ارتكاب جريمتها.

احتقان وملاسنات داخل المستشفى

ظل أقارب الأطفال مرابضين أمام باب قسم المستعجلات، يترقبون الأخبار السارة في كل لحظة، كانت البداية مبشرة، استقرار حالة الشقيقين البالغين من العمر عشر سنوات وستا، لكن صغيرهم، يوجد بين الحياة والموت، والطاقم الطبي يبذل قصارى جهوده لإنقاذ حياته. خلال لحظات الضغط والانفعال والترقب، تسبب موقع إخباري في غضبة عارمة وسطهم، بعد نشره شريط فيديو صور سرا لهم أمام المستعجلات، إذ تطوع اثنان منهم لدعوة صحافيين وبعض منتسبي المواقع إلى عدم تصويرهم، احتراما لنفسيتهم المهزوزة.
البعض تقبل الأمر تعاطفا معهم، لكن يبدو أن شريط الفيديو، استفز القناتين الثانية والأولى ومواقع إخبارية أخرى، فشهد المستشفى إنزالا كبيرا للصحافيين. نجحت الوساطات في تمكين طاقم القناتين الأولى والثانية من دخول المستعجلات، و أخذ تصريحات صحافية من الطاقم الطبي، في حين حاول صحافيون ومحسوبون على مواقع إخبارية، تصوير أقارب الضحايا، لتعم المكان فوضى، بعد رفضهم تصويرهم في أشرطة وصور إخبارية، ووصل الأمر إلى حد التلاسن.
وتفاديا للمزيد من الاحتقان، قررت إدارة المستشفى تكليف رئيس قسم المستعجلات بمنح تصريح للمواقع الإخبارية، لكن هذا القرار زاد من غضب أقارب الأطفال، لدرجة أن إحدى القريبات انتابتها نوبة هستيرية وجلست على الأرض تحتج بشدة، بعد أن اكتشفت أن أحدهم صورها خلسة.
وفي لحظة كاد المستشفى أن يتحول إلى ساحة حرب، صحافيو المواقع يتمسكون بحقهم في تغطية إعلامية متميزة، وعائلة تتحفظ على ذلك، بل كادت أطراف أن تدخل في عراك، رغم تدخل حراس الأمن الخاص، ومسؤولي المستشفى لتهدئة الوضع.

اليوم الحزين

كان الوضع طبيعيا بالحي، هدوء كالعادة، قبل أن يكسره صراخ شباب يطالبون امرأة في سطح عمارة بعدم المجازفة برمي أبنائها الثلاثة، الذين وضعتهم على سور السطح، لكنها لم تراع تنبيهاتهم، ورمتهم واحدا تلو الآخر ببرودة دم، سمع دوي سقوطهم القوي، وتدخل شباب الحي لإنقاذهم وإشعار الشرطة.
حسب روايات بعض الجيران، فإن الأم اختارت الوقت المناسب لارتكاب جريمتها، إذ انتظرت إلى أن غادر الزوج ووالدته التي تشاركها الشقة، وتعمل بمقهى بالمنطقة.
وبناء على شهادات، لم يبد على الأم أي رد فعل، إذ غادرت العمارة وسلمت نفسها للشرطة بهدوء كبير. وتضاربت المعطيات حول سبب الجريمة، إذ هناك من ادعى أنها تعود إلى الأزمة المالية الخانقة التي تعيشها الزوجة، في حين نفا اخرون هذه الرواية وشددوا على أنه يوما قبل الجريمة رافقت الزوجة حماتها إلى سوق بالمنطقة، واقتنت لها ولأطفالها ملابس وكل ما يحتاجونه.

الغيرة القاتلة

أفادت مصادر أن الزوجة تبلغ من العمر 30 سنة، كانت تعاني مشاكل اجتماعية مع زوجها بائع الفواكه ووالدته التي تقطن معهما. رغم إنجابها الأبناء الثلاثة، إلا أن سوء المعاملة ظلت مستمرة، بل تعرضت لإهانات واستفزازات في مناسبات، وصلت إلى حد أن اعتبرت لا شيء، وأن ما يشفع لها وجودها معهما أبناؤها الثلاثة.
ظلت الإهانات تتوالى على الزوجة، فتولد لديها شعور أن أبناءها الثلاثة لهم حظوة كبيرة لدى زوجها وحماتها، إذ في مناسبة أبدى أحدهما في نوع من التحدي، استعداده للإنفاق عليهم ورعايتهم دون وجودها، ما ولد لديها إحساس أنها عنصر غير مرغوب فيه داخل الأسرة، فتولد لديها حقد تجاه أبنائها.
تراكم هذا الضغط والإهانات تسبب لها يوم الجريمة في انهيار عصبي، فاستغلت غياب الزوج ووالدته، فصعدت إلى سطح العمارة رفقة أبنائها الثلاثة، ودون تردد تخلصت من الابن البكر، ورمت الثاني دون أن يرق لها قلب، قبل لتحمل طفلها الرضيع الذي كان يحبو أمامها، ودون شفقة، ألقت به، فسقط على وجهه بقوة، متسببة له في جروح خطيرة.
تزامنت الواقعة مع الحملة التي تشرف عليها المصالح الأمنية بسيدي البرنوصي، فأثار عناصرها صراخ النساء، لتقف على الفاجعة، وهي أن أما تخلصت من أبنائها الثلاثة برميهم من أعلى العمارة.
وعلى الفور صعدت عناصر الشرطة إلى العمارة، لتصادف الأم على الدرج تنوي مغادرة المكان صوب وجهة مجهولة. ومن حسن حظ الزوجة أنها صادفت وجود رئيس المنطقة الأمنية سيدي البرنوصي، إذ لتفادي أي رد فعل عنيف قد تتورط فيه أو يعرضها لاعتداء جسدي من قبل الجموع الغاضبة، احتضنها بطريقة لبقة من أجل تهدئة روعها، كأنه يعلم أن هناك أسبابا خاصة دفعتها للتورط في هذه الجريمة البشعة. كان لهذا الموقف الإنساني الأثر الإيجابي، إذ استسلمت الزوجة لرجال الأمن ورافقتهم دون مقاومة إلى مقر الشرطة القضائية.
وحسب معطيات توفرت عليها “الصباح”، فإن تعليمات صدرت من أجل وضع الزوجة في معقل منفرد بمقر الشرطة القضائية، وتفادي الاستماع إليها، إلى حين تجاوزها أزمتها النفسية، واستعادة وعيها. ومن المرجح أن يباشر المحققون تعميق البحث معها زوال أمس (الاثنين)، على أن تتم إحالتها اليوم (الثلاثاء) على الوكيل العام للملك باستئنافية البيضاء، إذ تلاحقها تهمة ثقلية، وهي محاولة قتل على ضوء استقرار الحالة الصحية لأبنائها الثلاثة. وكشفت مصادر أن المحكمة ستخضعها لخبرة نفسية، للتأكد من سلامتها العقلية، لحظة ارتكابها الجريمة.

تضحية من نوع خاص

خلف الحادث رجة كبيرة، ليس فقط بالبيضاء بل على الصعيد الوطني، بعد انتشار الخبر على مواقع التواصل الاجتماعي، ليدخل على الخط مسؤولون رفيعو المستوى سواء بوزارة الصحة وباقي الوزارات الأخرى، إذ صدرت تعليمات بإجراء إشراف خاص ودقيق على الأشقاء الثلاثة، وتتبع حالاتهم الصحية.
كان أول المبادرين بالتضحية، عبد العزيز شليلك رئيس قسم المستعجلات، الذي استغل عطلة الأحد لحضور ندوة طبية بمراكش، لكن بمجرد علمه بالأمر، عاد إلى البيضاء على الفور، وحل بجناحه الطبي للإشراف شخصيا على الوضع الصحي للضحايا.
داخل المستشفى، كانت مديرته تتنقل بين مكتبها وقسم المستعجلات بشكل دائم، إذ أجبرتها الواقعة على الحضور وتتبع الأمر بشكل شخصي، فالحادثة ليست بالهينة، والقضية تحولت إلى رأي عام تستلزم توفير رعاية خاصة لإنقاذهم من الموت. حرصت المديرة على ضمان اهتمام طبي بالضحايا، ما تجسد خلال تقديم رئيس المستعجلات تصريحات صحافية، عندما تعمد البعض مطالبته بإعادة تصريحاته أكثر من مرة، واضطر للاستجابة لها بكل تواضع. تدخلت المديرة أكثر من مرة لإقناع صحافيي المواقع بوقف التسجيل، والسماح له بالمغادرة، فمهمته تقتضي منه مراقبة وتتبع حالة الأطفال.
وكشف رئيس قسم المستعجلات عن الوضع الصحي للأشقاء الثلاثة، إذ أوضح أن البالغين من العمر عشر سنوات وست حالتهما مستقرة، رغم تعرضهما لإصابات في الصدر والبطن والأطراف، مؤكدا عدم وجود إصابات خطيرة في الجمجمة والرأس، لكن مع ذلك، أبدى تخوفه من تطور حالتهما الصحية بسبب كثرة الرضوض التي أصيبا بها، في حين يوجد شقيقهما الأصغر، في وضعية صحية حرجة، لدرجة أنه يتنفس اصطناعيا، بسبب كسر في الجمجمة والأطراف ونزيف في الرأس، إضافة إلى فقدانه الكثير من الدم، مشددا على إخضاعه لحراسة طبية مشددة يشرف عليها أطباء وممرضون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق