مقالات الرأي

الأزدي: ولي النعمة … الواقعية وإنتاج الفائدة الروائية

ليس العمل الروائي إبداعا أو موهبة أو إلهاما؛ فالأدب لا سماء له. إنه وليد الواقع؛ والأدب الروائي يحمل الواقع من واقعيته ويضعه على مستوى اللغة؛ كما يعني أن علاقته بالواقع ليست مباشرة، بل تمر عبر اللغة. ويؤكد هذا المرور أن العمل الروائي صناعة، أو صياغة حسب عبارة الجاحظ وهو يتحدث عن الشعر وعن المعاني المطروحة في الطريق…وقد شاع في الكثير من مصادرنا، العربية والأجنبية، الحديث عن الصناعة الأدبية والإنتاج الأدبي؛ يكفي تذكر كتاب أبي هلال العسكري عن الصناعتين وكتاب الفرنسي بيير ماشري: دفاعا عن نظرية في الصناعة الأدبية….

وتحتاج صناعة الرواية وإنتاجها إلى برنامج عمل، وتتضاعف هذه الحاجة حين يضع الكاتب نصب عينيه الواقعية، أي حين يكون طموحه إنتاج خطاب شفاف يرى القارئ الواقعَ من خلاله؛ وهاهنا إفادات كثيرة لو فتش عنها باحث صبور لاستخلص منها علما غزيرا. وفي الإمكان هنا ولهذا الغرض بالذات، الاستئناس بمرجع و مقالة: المرجع هو تحديدا كتاب إيريك أورباخ: ميميزيس- تشخيص الواقع في الأدب الغربي (1946)؛ أما المقالة، فتعود إلى الناقد الفرنسي فيليب هامون وعنوانها: خطاب مقيد Un discours contraint. وهنا وهناك، في المقالة كما في سطور المرجع، يتم التشديد على أن تشخيص الواقع في الأدب الروائي يشتغل وفق مجموعة من القيود والإرغامات هي التي قد ندعوها: برنامج الكتابة الواقعية.

ينهض هذا البرنامج على 15 بندا وحيثية، هي مكونات صناعة النص الواقعي وإرغاماته؛ وضمنها وصل الكتابة بخلفية زمنية محددة، وبإطار مكاني لا يقل عنها تحديدا. بل إن هذا الوصل تم اعتباره واحدا من المكونات التي منحت للرواية اسمها. إذ اسم الرواية بالإنجليزية Novel؛ أي الجديد؛ وحين ظهرت كتابة خاصة ومتميزة تساءل أهل النقد عن جديدها أو الجديد الذي أتت به؛ وتواضعوا على ارتباط الحكاية بزمان ومكان محددين بصفته قسما من هذا الجديد. وقد ولد هذا القسم مع ولادة الرواية الواقعية، واستمر معها إلى يوم الناس هذا. ومن وظائفه حفظ تماسك النسيج الروائي وضمان المقروئية أو قابلية النص للقراءة، وإنتاج الفائدة الروائية التي لا ترقى إلى مستوى المعرفة العلمية، بل تظل في حدود ما يسميه لوي ألثوسير: الإبصار.

ولا تشد رواية ولي النعمة عن هذا الإطار، برغم أنها تكسر الطموح نحو الشفافية الشاملة بنزوع بلاغي شعري يضفي على لغة الكتابة طابعا جماليا طافحا ولافتا، يستحق دراسة خاصة مستقلة ومنفردة. ذلك أن الرواية إياها تلتقط شخصياتها من الواقع المغربي وتضعها في الحكاية Récit ؛ وإن لم تعثر على الشخصية المناسبة هنا، جاءت بها من وهران إلى فاس ثم طنجة، لتستقر بها في العاصمة الرباط، موطن ولي النعمة. وبرغم تعدد الأمكنة والفضاءات في هذا النص الروائي، فالمكان الرئيس الذي ترتبط به الحكاية، في مسارها وبرنامجها السرديين، هو العاصمة الرباط. ويكشف النص، من خلال الوصف التفصيلي والمجمل أحيانا، عن معرفة دقيقة بهذا الفضاء، ابتداء من حيي العكاري والمحيط المطلين على بحر الظلمات، وصولا إلى الأحياء المطلة على حسان وأبي رقراق وسلا التي اجتاحها الإسمنت ودور الصفيح العمودية التي تسمى زورا وبهتانا السكن الاجتماعي أو السكن الاقتصادي.
وعبر التنقل بين هذه الأمكنة والأفضية، يرسم النص مصائر الشخصيات المكونة لمجتمع الرواية، الذكورية منها والنسائية. ويتيح هذا إرسال مقالتين: تهم الأولى مجتمع الرواية وعلاقاته؛ وتعنى الثانية بصيغ وصف المكان الذي يشكل خلفية حكايات هذه الشخصيات؛ وهذا عمل ينتظر الإنجاز.
وكي تصل الرواية إلى كامل تناسقها، تعكف حكايات مكونات مجتمعها على خلفية زمنية شديدة التحديد؛ فزمان مجمل الحكايات التي تعمر الرواية يمتد قرابة تسعة عشر سنة (19 سنة)؛ من يناير 1981 إلى يوليو 1999؛ أي أن زمانها يشكل قسما من أزمنة الجمر والرصاص في المغرب ” الجديد”، مغرب ما بعد الحماية!؟

تومئ الرواية إلى إطارها الزمني عبر مجموعة من الإشارات: أول إشارة تاريخية صريحة وردت في الصفحة 11: ( لم يكن الليل كئيبا وحزينا كما كان في تلك الليلة البعيدة من أواخر شهر يناير 1981 ليلة غادرها القمر…)؛ وتنهي الرواية وجودها النصي الحكائي، كما تنهي عملية القراءة، في الصفحة 183، عبر إشارة تاريخية ضمنية:( حكومتهم منها، من بعد ما مات ولي النعمة….)، ويعرف الجميع أن وفاة ولي النعمة، المرحوم الحسن الثاني، كانت يوم 23 يوليو 1999؛ وتستمر أحداث الرواية بضعة أيام بعد هذه الوفاة راسمة الأمل التراجيدي لشخصية بهاء وكاشفة، عبر مقطع الرسالة، عن أسرار لوحة المرأة ذات الأقراط الزمردية … ويدل ذلك على إمكان قراءة هذا العمل الروائي قراءة سياسية عبر إعادة بناء الحقبة التاريخية التي كتبها وانكتبت فيه…

* مفتاح رواية ولي النعمة
تشير مصادرنا التي اهتمت بالرواية تحليلا وتنظيرا إلى أن كل محكي روائي تعبير عن رغبة وسعي لامتلاك وتملك موضوع هذه الرغبة. وفي رواية: ولي النعمة، يمتد سهم الرغبة صوب امتلاك معرفة بلوحة زيتية معلقة فوق جدار غرفة “النشاط”؛ إذ (كل حظ هذه الغرفة من الأثاث سرير منهك تواري تهتكه ملاية صوفية شاحبة تفضح بقسوة بؤس المكان. انتصبت مباشرة فوق رأس السرير الوحيد لوحة زيتية تنبض بألوان الحياة بتناقضاتها الصارخة، فتاة بملامح ساحرة، كأنها حواء كما صورتها الأسطورة لا تلبسها سوى دهشة البداية وورقة التوت، فتاة تضم إليها بقوة نهديها العاريين، محدقة بفزع في الفراغ أمامها. عيناها الواسعتان تختزلان خوفها وهلعها وحزنها خجلا وارتباطها وتوسلاتها كأنهما لمحكومة بموت تحفة فنية مجهولة الهوية، بلا توقيع ودون تاريخ. كل من رآها أجزم أنها تعود بلا شك لفنان تشكيلي كبير كتل كل أحاسيس الخوف والحب والبراءة في نظرة الفتاة المنفلتة من شراسة خلفية غاية في سيل قانٍ، يصبغ المدى بحمرة مشتعلة، كأنها لحرب لا تنتهي لوحة تختصر بغلو مبهر سوريالية المشهد كما تعطيه فداحة هذا العالم الآثم في حبه كما في حرب.
وقعت وفاء في عشق تلك اللوحة التي أطلقت عليها اسم (الزمردتين) في إحالة إلى القرطين اللذين يتدليان من أذني فتاة اللوحة الفاتنة” (ص 62 – 63).
وضمن المقطع الأخير من الرواية، وهو تحت عنوان: الرسالة، يتعرف القارئ على الكثير من الأمور التي تهم هذه اللوحة؛ وعبر هذه الضربة الفنية المتميزة، يتعرف في الحين ذاته على الكثير من خيوط حكاية ولي النعمة وألغازها؛ وبهذا المعنى قد نقول إن لوحة الفتاة الفاتنة هي مفتاح الرواية وسُلافَتُها، لازِمَتُها وخيطُها الأحمر الناظم.

ولي النعمة وعودة كاليغولا
الغلاف سترة jacket الكتاب. وينتمي ظهر هذه السترة أو ما يسمى الصفحة الرابعة إلى تقاليد تاريخية لا ترقى إلى أبعد من القرن التاسع عشر. وقبل هذا التاريخ، كانت الكتب عموما مجلدة. ولم يعرف الغلاف المطبوع إلا في القرن التاسع عشر، إذ كانت الكتب في العصر الكلاسي تغلف بالجلد ومواد أخرى.
ولم تكن الأغلفة المصوَّرة، إن وُجِدَتْ، تحمل سوى العنوان واسم المؤلف وصورة بالألوان تستغرق الصفحة الأولى برُمتها؛ و كان اسم الكاتب والكِتاب يتموقعان في ظهر الكتاب؛ وكانت صفحة الغلاف هي الحاملة للمناص. وقد أخذ الغلاف الآن في زمن الطباعة الصناعية والطباعة الإلكترونية والرقمية أبعادا وآفاقا أخرى.
وحين بدأ التوزيع الجماهيري الواسع في الخمسينيات، صار الكتاب موضوعا عموميا وفي متناول الجميع، وصار من اللازم إثارة “الزبون” المشتري، عبر تقديم ما يوجد داخل الكتاب؛ وفي هذا السياق ظهرت نصوص الصفحة الرابعة. ومنذ ظهورها، أخذت صيغا مختلفة ومتعددة. ومع هذا التعدد، يمكن الحديث عن بعض وظائفها وأهدافها.

وقد شكلت هذه الأهداف والوظائف موضوع حديث مقتضب صاغه الناقد الفرنسي جيرار جنيت ضمن سطور كتابه عتبات (1987) تحت عنوان محيط النص: ” كل هذه المنطقة zone الفضائية والمادية من النص المحيط التي تكون تحت المسؤولية المباشرة والأساسية للناشر أو أكثر دقة للنشر”.
وفي هذا الحديث المقتضب يشير إلى أن صفحة الغلاف الرابعة ذات أصل تجاري ومرصودة لدعم وتشجيع الكتاب الذي تُعلن عنه، “صناعة الكتاب لقيمتها السلعية كمنتوج قابل للبيع والاستهلاك وهدفها اجتذاب القارئ وفتح شهيته للقراءة، أي دفعه لاقتناء الكتاب والحصول عليه شراء أو استعارة أو سرقة…؛ و لهذا كانت وظيفتها الأساسية لفت انتباه القراء بوسائلها الفرجوية، لتفسح المجال لعناصر النص الفوقي النثري ( الإشهار والملاحق الثقافية ودور النشر وحفلات التوقيع…) لتلعب دورها التداولي قصد جلب جمهور القراء”؛ ومن تم، شاع في صفحات الغلاف الرابعة الاستعمال النسقي لمعجم تقريظي- مدحي. وغالبا ما يتكفل الناشر بصياغتها ويقول شيئا بخصوص الكتاب لأول وآخر مرة.
وهذا النص القصير جدا الذي يوضع فوق الصفحة الرابعة، يؤدي بعض الوظائف منها:
1. يقدم الكتاب في سطور معدودة: إذ ينبه إلى الحبكة أو يلخصها أو يستعيد لحظة مفصلية فيها.
2. يحدد الجنس الأدبي.
3. . يقدم بعض العناصر الخاصة بالأسلوب أو بمقترح الكاتب.
4. يقوم بتقريظ سمات الكتاب وخاصياته.
5. ترافقه بعض الأحيان المعطيات البيوغرافية المتعلقة بالكاتب.
6. واذا كانت الرواية قد شكلت موضوع اقتباس سينمائي، تتم غالبا الإشارة اليه وذكر أسماء الممثلين الرئيسيين.

صفحة الغلاف الرابعة من الأمكنة الاستراتيجية في الغلاف خاصة، والكتاب عامة، ويمكن أن يجد فيها القارئ معطيات متنوعة ومتغايرة. ويحرص الكثير من الكتاب والمؤلفين على المشاركة أو المساهمة في نص صفحة الغلاف الرابعة. والكاتب الجيد هو عموما من يصوغ صفحة رابعة قصيرة جدا وأقل مدرسية وأكثر احترافا وإغراءً.
وبالنظر في سترة رواية سلمى مختار أمانة الله: ولي النعمة، يلاحظ القارئ في ظهرها المعطيات الآتية:

أولا. صورة المؤلفة وهي توقع الطبعة الأولى من هذه الرواية بالذات. وتعلن الصورة بوِضْعَتِها عن أن سلمى مختار حاضرة هنا بصفتها كاتبة وكاتبة فقط، مؤكدة أحد أشكال وجودها في المجتمع. وتضاعف توكيد هذا الحضور عبر ظهورها في الصورة وهي توقع كتابها توقيعا بَعْدِيا؛ والتوقيع مصادقة وإعلان عن تحمل مسؤولية كافة محافل النص ومستوياته؛ وهو فوق ذلك انخراط في مراسيم الاحتفاء والاحتفال بهذا المولود الرمزي، وكسر المسافة بين شخص المؤلفة وأشخاص القراء الذين يحرصون على تحصيل توقيع الكاتبة كعلامة على حضور في تاريخ القراءة وتاريخ النص النثري الفوقي .
ثانيا. استعادة العنوان الرئيس للعمل الروائي: ولي النعمة.
ثالثا. منطقة مؤسسة التسويق والتسويغ والترويج: الدار المغربية العربية للنشر والطباعة والتوزيع، ورقم التصنيف الدولي الذي يشكل واحدا من صيغ حماية الملكية الفكرية؛ ثم ثمن التسويق التجاري لهذا المنتوج الثقافي: 65 درهم؛ والثمن هذا يحدده الناشر بناء على المعادلة الآتية:
ثمن التكلفة × 3 = ثمن البيع
وهو ما يفيد أن تكلفة طباعة وتوزيع هذا العمل تقدر بحوالي: 22 درهم.
رابعا. وأهم ما فوق صفحة الغلاف الرابعة استعادة مقطع من الرواية مقتطف من الصفحتين 75- 76؛ وتحديدا من الحلقة السردية التي تحمل عنوان:” عودة ولي النعمة”[ ص 67 -ص 76]؛ وتحته مباشرة توقيع المؤلفة. ويقع في منتصف الطريق بين بداية الحكاية ومنتهاها؛ بين زواج بهاء من مولاي العربي الطاوسي، مؤنس ولي النعمة ومُهَرِّجُهُ، وتطليقها منه كي يبتر ثدياها في سياق تحضيرها للالتحاق بمجتمع الحريم والمحظيات. الثديان مفخرة المرأة وعزاؤها. المرأة وجهُها وثدياها ورِدْفاها. وبتر الثديين وَأْدٌ جزئي أو رمزي.
والواقع أن هذا المقتطف الباذخ الشعرية يومئ على مستوى الحكاية إلى عودة كاليغولا، لذلك ليس مستغرَباً أن يحمل عنوان: ” عودة ولي النعمة”. وبمجرد عودته “الميمونة”، وترتيبا على وشاية من النمط الذي يحاك داخل أقبية القصور، يستدعي مُؤنسَه ويمعن في إهانته وإهدار كرامته عبر آلية الانتظار؛ يتركه ينتظر فسحة طويلة من الزمن، ليجرده بعد ذلك من زوجته – الزمردة أو التحفة الجمالية.
ومن الأكيد أن بهاء، كما تقدمها الحكاية، هي الجمال وقد بلغ مداه الأقصى؛ ومن المؤكد كذلك، ووفق برنامج الحكاية ذاتها، أن ولي النعمة صيغة حديثة للطاغية الروماني كاليغولا؛ إنه نموذج الشر وجنون العظمة والقسوة المشخصة في هيئة رجل أضنى الجنون عقلَه لدرجة الإقدام على أفعال غير معقولة وغير مستساغة بتاتا.
وباختصار، فهذا الكاليغولا الجديد يشتغل وفق منطق سلفه الروماني: يسرق بصراحة ولا يرتاح إلا بين الموتى ويحس بوحدة قاتلة إن لم يقدم على القتل. أليس الإكراه على الطلاق قتلا؟ أليس بتر ثديي امرأة باذخة الجمال شكلا من القتل والوأد؟! بلى. ويؤكد المذهب المالكي أن لا إكراه في طلاق. ومع ذلك يتدخل ولي النعمة بكامل سطوته الوحشية لتطليق بهاء البهية من زوجها مولاي العربي الطاوسي قصد إلحاقها بأدوات متعة كاليغولا القادم من أزمنة الجنون والوأد. وهذه اللحظة المنفلتة من عقال التاريخ والأخلاق، هي تحديدا ما ترومه فقرة صفحة الغلاف الرابعة بأناقة لافتة تعتمد الجمل الشعرية القصيرة المتتالية في التقاط كثافة اللحظة ومستتبعاتها الروحية والنفسية. الوصف هنا تفصيلي كاشف عن حجم التحولات الصاعقة المترتبة عن السلوك المجنون لطِرْحِ التاريخ.

د.عبد الجليل بن محمد الأزدي: أستاذ جامعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق