fbpx
الصباح الـتـربـوي

مـعـلـم في الأرياف: فاطمة تقاوم الضياع بتخوم الأطلس بأزيلال

زاوية يكتبها الزملاء الصحافيون والمراسلون بالتناوب ترصد واقع التدريس بالعالم القروي من خلال شهادات حية لمدرسين ومدرسات ينحتون الصخر لإنجاح هذا الشيء الذي اسمه «مدرسة النجاح»..فتحية لهم ولهن.

تستفيق فاطمة مذعورة كل صباح بعد أن قضت ليلتها تحت رحمة الكوابيس التي هدت كيانها، وحولتها إلى مجرد اسم ضائع في مفازة يلفها الضياع، بل تتلهف أن يشرق يومها بطلعة قرار وزاري تتسلمه من يد مدير مؤسستها ليعيد لها الأمل وينتعش كيانها بدماء جديدة تنتشلها من براثين الموت البطيء الذي يسري في كيانها، علما أنها طرقت كل أبواب الخلاص رغبة في الالتحاق بزوجها التائه في مدارات النسيان بعد أن تركته زوجته كرها.
تتفرس فاطمة (ر.ت 1269123) التي رماها القدر، مدرسة بمجموعة مدارس إسكان التابعة ترابيا لنفوذ مدينة دمنات إقليم أزيلال، تتفرس وجهي توأمها الذي رزقت به قبل سنة ونصف قضاها يجتر معاناة سيزيفية بعد أن وجدت الأم نفسها مضطرة إلى السفر بهما نحو منطقة جبلية نائية يصعب الولوج إليها بعدما تحطمت آمال أسرتها الصغيرة التي كانت تحلم بدفء العائلة ليجد الأب نفسه تائها بين دواليب الوزارة الوصية ومكاتب الأكاديميات يبحث عن خلاص لزوجته لعلها تلتحق بنيابة الحاجب التابعة لأكاديمية مكناس حيث يعمل فيها.  
تنتظر فاطمة كل يوم أن يحمل زوجها قرار التحاقها به ليخرجها من متاهتها التي ضاعت فيها وينتشلها من الوساوس والظنون التي تنهشها بعد أن فشلت كل محاولاتها الإدارية ومشاركتها المتتالية في الحركة الوطنية بنقطة عالية (77 نقطة) ما رشحها لحيازة منصب في النيابة، لكن فوجئت بعد صدور النتيجة النهائية بانتقال مدرسة أخرى بنقطة أقل من 52 وعندما قدمت طعنا في الموضوع توصلت برد غير مبرر من الوزارة ما فتح لديها دروبا الشكوك والظنون.
لم يعد هم فاطمة رشيدي الأكبر أن تنعش آمال تلاميذتها في القسم بتعليم جيد، قيامها بالواجب الذي يقتضي تعليم أطفال القرية المتعطشين للمعرفة وإخراجهم من ربقة الأمية والجهل، بل صار شغلها اليومي البحث، وبكل الوسائل، عن مخرج لورطتها والاستقرار بجوار زوجها لإنقاذ توأمها الذي بات يعاني أمراضا فتاكة بعد أن تسللت إلى جسديهما الواهنين أمراض انتهزت قلة الأدوية الكافية  التي توفر لهما المناعة والحياة، علما أن برودة الطقس التي تطغى على المنطقة تزيد من حدة الأمراض دون أن تدرأ الأم عنها متاعب الحياة اليومية.
قصة فاطمة المدرسة التي كانت تحلم أن تعيش بالقرب من زوجها في وئام لتوفير السعادة إلى توأمها الذي رزقت به، بعد أن تخرجت من مركز تكوين المعلمات باتت تتداولها الألسن في دروب القرية الصغيرة التي أصبح سكانها يتعاطفون مع محنتها لأنها تتوجه كل صباح إلى المدرسة تخيم على محياها مسحة حزن متوارية، لأن القدر لم ينصفها بعد أن كانت تحلم بحياة صغيرة تؤثثها السعادة.
 تدخل فاطمة الفصل الدراسي وتتضاعف معاناتها عند رؤيتها براعم يتوسمون فيها المستقبل، لكن سيول الحزن الجارفة ومكابدتها الدائمة يحولان دون التواصل مع تلاميذها الذين باتوا يتفهمون حجم معاناتها، رغم نعومة أظفارهم وبالتالي ضاعت آمال جيل بكامله ليتفاقم نزيف المدرسة العمومية التي تشارف على السكتة القلبية، رغم القرارات الوزارية الصارمة التي اتخذتها وزارة التربية والتعليم للنهوض بقطاع التعليم الذي  ما زال يشكو من اعتلالات جمة تتطلب استراتيجية شمولية لتستعيد المدرسة دورها الطبيعي في المجتمع.
رغم كآبة الحزن التي تخيم على فاطمة التي وجدت في المدرسين والمدرسات سندا لها لمقاومة الحزن الجارف الذي أثر على مردوديتها في القسم، فإن زوجها ما زال يحذوه الأمل ويدق الأبواب الموصدة، لعل المسؤولين يرتبون أوراقهم ليجدوا لزوجته، وكذا حالات اجتماعية أخرى، حلولا لمعضلة المدرسة المغربية تمكنها من نفض غبار اللامبالاة الذي دثرها عقودا من الزمن، ما أفقدها زمام المبادرة رغم الحلول/ المساحيق التي التجأت إليها وزارات سابقة لإخفاء تجاعيد الفشل والضياع.

سعيد فالق (بني ملال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق