ملف الصباح

أحمد … عاشق القروض

أحمد، شاب “بيضاوي” يحمل بين كتفيه هموم الدنيا، فلا تفارقة، أبدا، أحاسيس الظلم وغدر الزمان.
لا يتوقف رأس أحمد عن الدوران في كل الاتجاهات، بحثا عن طوق نجاته ومساعدته في مصاريف التمدرس والنقل والمواد الغذائية وكبش العيد، وعيناه دامعتان تبرقان، خاصة حين يدس صديق له يديه في جيبه، ربما يسعفه بورقة مالية زرقاء تنقذ يومه من البؤس.
أحمد حالة فريدة، لا يؤمن سوى بالنظريات الاقتصادية، ويتلذذ بالحياة، حين يكتشف، ما يسميه “همزة” جمعيات السلفات الصغرى في منحه قرضا، ربما يصرفه في ملذات حياته، فهو يملك هاتفا ذكيا وحاسوبا وآخر المنتجات الإلكترونية، يستحيل أن يضحي بأحدها.
يبتسم أحمد حين يلقبه أصدقاؤه ب”صديق جمعيات السلفات الصغرى”، فقد حباه الله بمواهب نادرة، فهو يستطيع الاقتراض في أي مناسبة، وحين يعجز عن ذلك بسبب تراكم الأقساط الشهرية، يصبح وديعا، مستغلا صوته الرخيم والحنون، لاستدراج المتعاطفين معه، دون أن يعبأ بانتقاداتهم لمسار حياته المالية.
جسده النحيف يقاوم الفقر، ولسانه سليط يهزم الأثرياء والخصوم، ولايخفي “لهطته” إلى المال، وله في ذلك حكمة تقول :” من الممكن جدا أن تصبح فقيرا، لكن لا تستسلم للعوز، حتى بالحرمان والمعاناة”.
يكره أحمد الفقر، ويلجأ إلى الاقتراض، حتى يبدو أمام أصدقائه ثريا، وهي عادة ألفها منذ سنوات فأنهكت قواه، وجعلته شاردا وشديد التوتر، حتى فقد كل المناعة التي تحصنه من الشعور بالفقر والتأقلم مع غناه “المؤقت”.
إن سألت مقربا منه عن أحب شيء إلى قلبه، سيجيب بدون تردد إنه “يتمنى أن يصبح أكثر غنى”… فقد مل الفقر والديون المترتبة عليه، والسنوات الطويلة في العمل لم تجعله “يشبع” بعد، حسب أحد المقربين منه.
تبتدئ قصة أحمد، كما اعتاد الأصدقاء سردها بزواجه، فقد رتب كل حياته بأن يبني أسرة صغيرة، واتفق مع الزوجة على تقاسم الأعباء المالية.
ومرت السنوات الأولى بشكل عاد، ثم فجأة حبلت الزوجة بابنه الأول، وقررت التخلي عن عملها بدعوى الاهتمام بتربيته، حينها بدأت المشاكل المالية تتوالى بشكل كبير، وأصبح يتخلى عن هدوئه، وغابت ملامح وجهه البشوشة التي طالما كانت تزيل كل الحواجز أمامه، واختفت النكتة من حديثه.
لم يكد أحمد ينعم بقليل من الهدوء، بعد أن بلغ الطفل عامه الثاني، حتى حبلت زوجته للمرة الثانية، وبعد سنوات قليلة أصبحت الأسرة تتكون من ثلاثة أطفال، ثم غرق في متطلبات الأسرة، وأصبح شديد الحساسية، خاصة في مواضيع المال.
عاش أحمد ظروفا مالية صعبة جدا، وتمكن من توفير أبسط الضروريات بصعوبة، لأنه اضطر إلى الاقتراض للحصول على سكن، بدل الكراء، ثم اقترض مرة ثانية من أجل اقتناء سيارة، ثم مرة ثالثة من أجل دفع تكاليف دراسة أبنائه بالمؤسسات الخصوصية، وما إن ينتهي قرض حتى ينطلق آخر، فأصبح يجد صعوبة كبيرة في الوفاء بالتزاماته المالية، واضطر إلى اللجوء إلى جمعيات السلفات الصغرى.
أصبح يكره الحياة، فكل شهور السنة عذاب له لا يطيقه، فهو الغارق في الديون، حتى أخمص قدميه، وأصبحت حياته تعيسة، يقضيها في معاقرة الخمر.

خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق