fbpx
بانوراما

عادات القصر السلطاني

لم تكن تقاليد البروتوكول المخزني مكتوبة ولا تصدر لا في مراسيم أو ظهائر، إنها أعراف تُتوارث عبر أجيال داخل قصر السلطان حتى شكلت تراثا غنيا،  ومجالا مركزيا يؤسس ثقافة السلطة بالمغرب ويرعاها. فهي المركز الباعث لنظام الحكم والطاعة والخضوع، عبر تحديد قواعد وضوابط وآداب البروتوكول المخزني المفروضة على مختلف مؤسسات المملكة. ويشكل كتاب “العز والصولة في معالم نظم الدولة” للمؤرخ عبد الرحمن بن زيدان (توفي سنة 1946)، والصادر عن المطبعة الملكية مطلع الستينات، أحد أهم المصادر التاريخية التي تتبعت مختلف الأنظمة والأعراف الإدارية التي كان معمولا بها في الدولة المغربية إلى حدود مطلع القرن الماضي، وبيان لأحول السلاطين وعاداتهم المتبعة داخل القصور، وفي هذه الحلقات تأخذكم “الصباح” في جولة عبر بعض فصوله التي توثق لعادات وتقاليد مرعية ب”دار المخزن” منها الزائل ومنها ما هو باق.

الحلقة الثانية

النظـر فـي شـؤون الدولـة
ما وافق من الأجوبة أمضاه السلطان بطابعه وما خالف ضبب بالقلم على محل النقد منه
يخصص السلطان أوقاتا يصرف فيها وجهته للنظر في الأشغال الإدارية المتعلقة بشؤون الرعية، ومهمات الدولة، والتعليق عليها بقلم رصاص غالبا بما يراه في أجوبتها، ويأمر بتسليمها للحاجب بواسطة أحد “الطواشية” ليضمنها بالدفتر الخاص بها.
ويقول ابن زيدان “يقيد التواقيع السلطانية ملحقا كل توقيع بالفصل المتعلق به في ذلك الدفتر، وبعد ذلك يبعث لكل وزير المكاتيب المتعلقة بإدارته، ومشمول أنظاره، فيسجل كل وزير المكاتيب المنوطة بخطته وشؤون إدارته وتواقيعها في سجله الخاص بالوارد، ثم تكتب أجوبتها حسب التواقيع السلطانية، وتقيد في سجل الصادر، فإن كانت مما يكتفي فيه بإمضاء الوزير أمضاها، وإن اقتضى الحال طبعها بالطابع السلطاني، وجهها الوزير بواسطة أصحاب الوضوء فيسلمها للطواشي ليقدمها السلطان”.
ويضيف “ما وافق من الأجوبة أمضاه السلطان بطابعه صدره فيما بين حمدلته وفاتحة الخطاب، وجعل في خاتمته بعد التاريخ قوسا نحو نصف دائرة بقلم الرصاص، وما خالف ضبب بالقلم على محل النقد منه، وربما كتب المراد بخطه على هوامشه، أو أقحمه بين أسطره، فإن أراد امتحان قرائح الكتاب مزق الكتاب واقتصر على الأمر بإعادته بالتوقيع عليه بقوله “يعاد”، في بعض الأحيان يسود الكتاب كله بيده، أو يشير بتعيين من يكتبه ممن يعلم براعته، ويستحسن يراعته من كتاب ديوانه، فإذا تم الأمر طبق المراد، ردت تلك المكاتيب لأربابها على الطريق المذكورة، وتوزع على نحو ما مر، وكل يجعل المنوط بوظيفه في ظرفه، ويختم عليه باللك (نوع من الشمع الأحمر)، ويجعل عليه طابعه الخاص”.
ويتابع “توجه المكاتيب الصادرة جميعها لقائد المشور ليوزعها على أربابها، لأن ذلك من جزئيات وظيفه فإذا اقتضى النظر السلطاني رفض مطلب من المطالب وقع عليه بصورة حرف الصاد، وذلك في الاصطلاح المخزني إشارة للرمز النظامي المعروف في دواوين كتابة السلطان “صار بالبال”، وأحيانا يوقع على المكاتيب بلفظ “سننظر” أو “سنرى”، ويقصد بذلك كله التسويف”.
وبهذا كان العمل جاريا في المكاتيب الصادرة من البلاط الملوكي، والواردة عليه، أما من حضر من مكتب الوزير بنفسه ونطق بمطلوبه، فإنه يتلقى منه ذلك بنفسه، ويكتب في جريدة أو يأمر من الكتاب من يتلقاه أو يقيده عنه، فيقدم الوزير جريدة المطالب الشفاهية للسلطان مباشرة في أوقات الاستقبال، وبواسطة صاحب الوضوء في غيرها، فيوقع على فصول مطالب تلك الجريدة بما يراه.

إعداد: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق