fbpx
افتتاحية

“أمولا نوبة”

أظهرت الأوراش الملكية المعلن عنها في السنوات الأخيرة، فرقا شاسعا في سرعة ونجاعة التنفيذ، من قبل المؤسسات المكلفة بتنزيلها، واتضح جليا أن الجيش وحده يمكن أن ينال شهادة الاستحقاق في هذا الامتحان، سواء تعلق الأمر بالمستشفيات العسكرية الميدانية، التي تحركت أطقمها في الداخل والخارج تنفيذا لأمر قائدها الأعلى، أو بالتجنيد الإجباري، الذي لم يتأخر في استقبال المرشحين له يوما واحدا عن الأجل المحدد.
وعلى النقيض تماما، لم يفلح الجالسون في كراسي الحكومة والمجالس المنتخبة، وفي كل أنواع الجماعات الترابية، في تنزيل عشرات الوصايا الملكية، التي ألفت الأحزاب ألا تتفاعل معها إلا إذا وقع زلزال يترك “الطايح كثر من النايض”.
ورغم حدة خطاب الملك في عيد العرش، حينما شدد على ضرورة تغيير الوجوه ومنح المناصب لأصحاب الكفاءة، لم يستحي قادة الأحزاب بعد، وما زالوا يصرون على العمل بعادة “أمولا نوبة”، إذ تفيد آخر التسريبات الخارجة من الدائرة الضيقة للتعديل الوزاري أن سعد الدين العثماني تلقى طلبات من الحلفاء، بأن يقتصر التغيير المرتقب على استبدال وزراء بآخرين من أحزابهم، أي أن الحرص لن يقتصر على تقصي الفعالية في التعيينات، بل سينكب على الاهتمام بألا تمس حصة كل حليف من الحقائب.
كيف يمكن أن ننتظر من الأحزاب أن تقدم ترشيحات تحمل “بروفيلات” قوامها الاستحقاق، وقد تخلت منذ عقود عن معيار الكفاءة في تأثيث مجالسها الوطنية وأجهزتها التقريرية، التي أصبحت العضوية فيها تكتسب بالولاء أولا وأخيرا، ما جعل أصحاب العقول الراجحة يختارون التنحي طواعية، متيقنين أن القيادات لن تغامر بدعم من يمكن أن ينافسها على الزعامة؟
شيئا فشيئا بدأت تتأكد للمغاربة أن الأحزاب لا تريد حكومة قوية تدوم ولايتها من الانتخابات إلى الانتخابات، لأن كثرة التعديلات تفتح الباب أمام الماسكين بزمامها لممارسة ثنائية العصا والجزرة لمكافأة المخلصين وتأديب المتمردين، وأصبحت الهرولة في مواسم الريع السياسي من الطبائع التي لن يغلبها التطبع.
فالظاهر أن صلاحيات الزعامة الحزبية لم تعد من منظور سياسيينا تبتعد كثيرا عن ممارسات أصحاب “الكريمات”، التي يمكن الاغتناء منها، تماما كما يفعل بعض من يرأسون الجماعات، ومجالس العمالات، وربما حتى مجالس الجهات، فقد أصبحت الترشيحات للحقائب، كما بالنسبة إلى التزكيات الممنوحة في المواسم الانتخابية، أصولا مدرة للدخل يمكن بيعها أو كراؤها أو أخذ “الحلاوة” ممن يستغلها.
لكن الخطير في الأمر هو أن تعرض تلك “الكريمات” السياسية، الممنوحة من صناديق الاقتراع، على غير المنتمين ومن يجدون في أنفسهم المواصفات المطلوبة لتنزيل وصفة التغيير في مناصب المسؤوليات الكبرى، ما دامت المنهجية الديمقراطية تفرض الخضوع لشرط اللون السياسي… مرحبا بكم في مزاد الألوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق