خاص

حمدوشي يوقع فصل الختام

جنازة مهيبة لرجل أفنى حياته في مطاردة الجريمة ميدانيا وفك ألغازها في روايات بوليسية الأولى من نوعها في المغرب

شيع إلى مثواه الأخير، الجمعة الماضي بمقبرة الرحمة بالبيضاء، الإطار الأمني الشهير والروائي المغربي ميلودي حمدوشي، بعد معاناة طويلة مع المرض الذي حد من قدراته على الكتابة والإبداع إلى أن وافته المنية ليلة الخميس بإحدى مصحات البيضاء، تاركا جرحا غائرا وسط زملائه وأحبته وقرائه، من جميع الفئات، الذين تابعوا على مدى سنوات أديبا ذكيا راكم في مجال أدبي صعب المراس (الرواية البوليسية) يتطلب الكثير من البحث والجهد والتنقيب والقراءة بلغات متعددة. عاش ابن ثلاثاء بوكدرة حياته، سواء خلال تقلده مهام في الأمن الوطني، أو خلال تقاعده، مهووسا بالكتابة والأدب والبحث الأكاديمي حتى لقبه الجمهور المغربي بـ «المفتش كولومبو» أو «بيتر فالك المغرب»، نسبة للسلسلة الأمريكية التي كان بطلها فالك، حيث أغنى الخزانة المغربية بإصدار عدد من الروايات البوليسية باللغتين العربية والفرنسية، تحول بعضها إلى أعمال درامية لقيت نجاحا كبيرا كرواية «الحوت الأعمى» التي تحولت إلى شريط تلفزيوني. لذلك، كانت جنازته، زوال الجمعة الماضي، عبارة عن شهادة بليغة، حين قطع عدد من المسؤولين الكبار مهامهم وعطلهم وحجوا بكثافة إلى المصحة الطبية، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة، ثم رافقوا جثمانه إلى منزله بدار بوعزة، ومنه، في موكب مهيب، إلى مقبرة الرحمة، حيث ووري جسد، سيظل صاحبه علامة فارقة في تاريخ الأمن والأدب المغربيين.
ي. س

“العــشــاء الأخـــيـــر”

شخصيات يتقدمها عبد النباوي ومديرون عامون سابقون في الأمن وأصدقاء الراحل وحديث عن أخطاء طبية
لم تمر جنازة ميلودي حمدوشي، الملقب بكولومبو الشرطة المغربية، كباقي جنازات موتى الجمعة الماضي، فرغم تنظيم جنازة مهيبة حضرها أطر المديرية العامة للأمن الوطني والأصدقاء من مختلف المشارب، كانت عبارات تردد في تجمعات صغيرة تشير على أن الهالك، تعرض لتقصير أثناء إجراء العملية الجراحية، تقصير في التشخيص والفحوصات والتحاليل دفع إلى ارتباك الطاقم الطبي ونقل من قاعة العمليات من المصحة التي دخلها للعلاج، إلى مصحة أخرى قيل إنها متخصصة في القلب والشرايين. امتزجت الدموع بالأدعية كما دبت الشكوك في طريقة الوفاة وهو ما ستكشف عنه الأيام المقبلة.
انطلقت مواكب السيارات من تجزئة المتوكل صوب مقبرة الرحمة، حوالي الرابعة والربع عصرا، تتقدمه سيارة المصالح الاجتماعية للأمن الوطني وهي تقل جثمان الراحل ميلودي حمدوشي، صوب مقبرة الرحمة، وقبل الوصول إلى مشارف المقبرة، كانت شخصيات أخرى تنتظر، قبل أن يدلف الجميع نحو المسجد، حيث جرت مراسيم صلاة الجنازة، قبل أن يحمل نعش الراحل نحو قبره بالجنوب الغربي للمقبرة، إذ جرت مراسيم الدفن في جو رهيب ممزوج بالخشوع، اكتمل بالدعاء للراحل والترحم عليه.
شخصيات كثيرة حضرت الجنازة يتقدمها محمد عبد النباوي رئيس النيابة العامة، وعبد الله وردي، والي أمن البيضاء وحميد بحري نائبه، وبوشعيب ارميل، المدير العام السابق للأمن الوطني، وإبراهيم الراشيدي، المحامي بالبيضاء، وولاة أمن سابقين، وقضاة مزاولون، ناهيك عن أطر المديرية العام للأمن الوطني، محليا ومركزيا، وغيرهم كثير ممن حجت بهم جنبات المقبرة، وحضروا لتوديع رجل عرف بالبشاشة والتواضع، وهي السلوكات نفسها التي عرف بها بن الجيران وفي مختلف الإدارات.
رغم انتهاء مراسيم الدفن لم تتفرق الجموع، وشكل موعد الدفن لقاء تجاذبوا فيه أطراف الحديث، حول مناقب الرجل وحنكته، وكذا عصاميته التي جعلته يتبوأ مكانة خاصة سواء في مجال القانون، أو في الأدب الذي اشتهر فيه بكتابات زينت خزانة المؤلفات البوليسية ورفعت الرجل إلى مصاف الأدباء المتميزين في هذا الصنف من الكتابة.
جوانب من سيرة الرجل ممزوجة بالدعاء له بالمغفرة والثواب، كانت القاسم المشترك بين كل المجموعات التي تألفت تلقائيا بجنبات موقف السيارات، إذ لم تتفرق الجموع بعد الدفن بالسرعة المعهودة، بل ظلت تتحمل حرارة الشمس الحارقة، فموت حمدوشي، كان مفاجأة، وصورة وجهه البشوش مازالت معلقة في أذهان الكثيرين ممن حضروا، فهو لم يكن يتألم مرضا ولم يسبق له أن شكى، بل خطفه المنون وهو ما يزال يعد بالكثير من العطاء.
قصة ميلودي حمدوشي مع المرض، كانت مفاجئة، فجميع أصدقائه فوجئوا بنقله إلى مصحة بحي بوركون، بعد أن أكد الأطباء ضرورة خضوعه لعملية جراحية، لكن أن تسير الأمور بشكل مضطرب عند الشروع في العملية الجراحية ليتم نقل الراحل من المصحة إلى أخرى لإجراء تدخلات طبية متخصصة على القلب، تلك هي النقطة التي لم يفهمها الكثيرون ورجحت وقوع أخطاء طبية، إذ ظلوا يطرحون علامات استفهام على الطارئ الذي دفع إلى نقل ميلودي من مصحة إلى أخرى، فهل أجريت مختلف التحاليل والفحوصات وفق ما يقتضيه أمر اتخاذ الاحتياطات اللازمة قبل العملية؟ ولماذا نقل حمدوشي إلى مصحة أخرى وهو خاضع لعملية؟ أسئلة كثيرة طرحت في حي التجمعات عند منزل الراحل بتجزئة المتوكل قبل انطلاق موكب الجنازة، وأعيد طرحها بعد دفنه، ولم تجد أجوبة.
المصطفى صفر

المفتش “كولومبو”

ولد ميلودي حمدوشي في 1 يناير 1947 بدوار البريات فخذة الجرامنة بثلاثاء بوكدرة (عبدة)، حيث تابع دراسته الابتدائية، قبل رحيله إلى آسفي للالتحاق بالتعليم الإعدادي ثم الثانوي، حيث حصل على شهاد الباكلوريا آداب، ومنها إلى الرباط ملتحقا بكلية العلوم الإنسانية شعبة التاريخ والجغرافيا.
بعد حصوله على الشهادة الجامعية، راود حلم الدرك الملكي مخيلة الطالب الشاب، قبل أن يقلب الدفة إلى الأمن الوطني، حين تناهى إليه خبر إعلان حول مباراة للضباط. اجتاز حمدوشي الاختبارات الكتابية والشفوية بنجاح في 1972، موقعا عن مرحلة حاسمة في حياته، قادته إلى عدد من التجارب الميدانية، متدرجا في أصعب المهام بعدد من المدن (البيضاء، الجديدة، فاس، ثم البيضاء من جديد رئيسا للشرطة القضائية الدار الحمراء) ثم مدن الشمال، حيث كان في مواجهة مباشرة مع مزارعي وتجار المخدرات، فاستحق عن جدارة لقب المفتش «كولومبو» الذي أطلقه عليه شباب الملاح في الجديدة، أول الأمر في بداية الثمانينات.
وقال شقيق حمدوشي الذي يحفظ سيرته عن ظهر قلب، إن لقب «كولومبو» أطلق عفويا من قبل شباب بمنطقة الملاح، التي كانت معروفة آنذاك بارتفاع الجريمة وترويج المخدرات، فكان الضابط الشاب للمجرمين بالمرصاد.
وانتقل اللقب مع حمدوشي، منذ ذلك الحين، أينما حل وارتحل، خصوصا في فاس والبيضاء ومدن الشمال، وزاد من وهجه انخراط الراحل منذ وقت مبكر في البحث عن ألغاز الجريمة وفكها، ثم انتقاله إلى الكتابة البوليسية.
ولم يكن هذا الارتباط بالروايات البوليسية أمرا اعتباطيا، بل قادته إليها طبيعة اشتغاله ومراحل سجل فيها العديد من القضايا، التي عمل على فك خيوطها، وزاد من تعمقه في هذا الجنس الأدبي دراساته الأكاديمية في القانون الجنائي وعلم الإجرام، إذ شكلت إضافة نوعية لمساره وتميزه وتطويعه لسرد الوقائع بشكل جذاب ومثير.
تجربة حمدوشي الأدبية التي اختار منها كتابة الرواية البوليسية، باللغتين العربية والفرنسية، لم تكن وفق النقاد، تقريرية، إذ تقاطعت فيها اللغة الشعرية، والفكرية الغنية بالدلالات وبالخصائص الكتابية التثقيفية، لتجعل منه اسما ضمن ألمع الأسماء العالمية، التي اهتمت بهذا النوع من الكتابة.
وقد خلف الراحل، بالإضافة إلى عدد من الروايات، من ضمنها «الحياة الخاصة» و»مخالب الموت» و»حلم جميل» و»ضحايا الفجر» و»أم طارق»، عددا من الدراسات والمؤلفات القانونية.
يوسف الساكت

وداعـا أيهـا الحكـيم

ذ/عمر الكاسي*
خبر نزل كالصاعقة، مثل قطعة ثلج باردة في عز الصيف على قلوب من أحبوك وعايشوك وعرفوك أيها الهرم الشامخ، فلقد شاءت الأقدار أن لا ينصرم صيف هذه السنة ولا تتبدد أنفاسه الأخيرة إلا برحيل علم من أعلام الفكر الجنائي وعلم الجريمة في بلادنا الأستاذ الحكيم ميلودي حمدوشي، الذي قضى في الجمعة الماضي عن سن تناهز السبعين ولم أملك عندما بلغني الرزء وأنا في أثناء السفر إلا أن أردد مع أبي تمام قصيدته الشهيرة:

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر..فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
توفيت الآمال بعدك – يا حمدوشي.. وأصبح في شغل عن السفر السفر

إذا كان للسوى أن يتنابذوا بالألقاب ويتهافتوا على المناصب والرتب، وينكفئوا إلى الراحة والاستجمام فإن الراحل كان له ذوقه وحياته ورسالته كما يهوى هو ويحب لا كما يهوى الآخرون ويحبون.
ذرفت العيون لرحيله، وحزنت القلوب عند تشييعه إلى مثواه الأخير وشغل كل من شد الرحال مسافرا عن سفره فخف الى حضور جنازته وتوديعه.
لم يكن فقيه القانون الجنائي وكاتب الروايات البوليسية رجلا متكالبا على الدنيا بل كان رجل رسالة كرس لها حياته وأخلص لمبادئه.
عاش حياته بين صرير الأقلام وبطون الكتب وعمله في سلك الشرطة قبل ذلك بوأه بلوغ شاو كبير في تلمس الجريمة وفك ألغازها وفهم خلفياتها وسبر أغوارها في علم الإجرام ويصبح واحدا من أعلام البلاد في هذا التخصص ثم أستاذا، مبرزا مشرفا على ندوات فكرية وعلمية وقانونية وموئلا للطلاب والباحثين في مجال تخصصه مشرفا على الرسائل والأطروحات العلمية.
ولأنه كان صلب المراس فقد تفتقت عبقريته الأدبية في جنس تخصصه الأكاديمي فكان سباقا إلى إثراء الخزانة المغربية بروايات بوليسية زادته تجربته الأمنية في إيصال هذه الروايات الى مستوى الإبداع والابتكار حتى بات يلقبه المغاربة (كولومبو المغرب) وقد تميزت بأسلوبه السلس وألفاظه الجزلة وجمالية البناء القصصي وازدواجية اللغة.
وإننا اليوم في مناسبة توديعه نبكي أسفا عندما يغيب الموت منا أمثال هذه العقول المبدعة والأقلام الملتزمة التي ترسل في الناس علما وحكمة، ومبعث الأسف أن يعز النظير ويفتقد البديل مصداقا لما جاء في الحديث الشريف المروي في كتب الصحاح: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».
فيا لضيعة كثير من رواد المعرفة وقصاد الحكمة من بعدك أيها الحكيم.
عشت معه تجربة مناقشة رسالة الماستر التي حظيت بشرف كونه واحدا من أعضاء اللجنة العلمية التي التأمت لمناقشتها، فكان أكثر أعضاء اللجنة حدة ووقوفا عند دق الجزئيات وما ذلك إلا لكونه رحمه الله قد راض نفسه على سلوك المسالك الوعرة ولزوم ما لا يلزم من التناهي في الدقة وبناء المنهج الرصين والنقد البناء.
وطالما كنت أهاتف الرجل أحيانا عندما تقتضي الضرورة الملحة وعندما تدق مسألة من المسائل أثناء العمل القضائي الذي زاولته وتمرست بهد في المادة الجنائية فأجد لديه المعين الذي لا ينضب والصدر الذي لا يضيق والفتيا التي ينفسح أمامها الاقتناع الصميم.
وإنني اليوم إذ أحط هذه الأسطر فإنما أخطها عن رجل أعرفه لا أنقل عن كتاب فأعزو إليه أو أوثق حديثي منه ولكني أغمس قلمي في عاطفة شدتني إليه لما رأيته فيه من رجولة وعلم وفضل وعصامية، ولما عرفته من جرأته وصراحته وما شهدته من سلوكه واستقامته وترفعه عن الصغائر وعدم مبالاته بما ينبهر به غيره ويلهثون خلفه من سفاسف نبذها خلف ظهره فعاش بسيطا ومات عزيزا.
* باحث في سلك الدكتوراه وأحد طلبة الفقيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق