افتتاحية

الكفاءات

يحاول البعض الترويج بأن حكومة الكفاءات ستكون ارتدادا في مسار الانتقال الديمقراطي، لكن الأسباب الخفية لذلك ليس فيها من الديمقراطية إلا الحسابات الضيقة لبقاء تحالفات قبلية عصية على الفهم ترهن مستقبل البلاد والعباد من الانتخابات إلى الانتخابات.
وفي الوقت الذي توجد فيه البلاد على حافة أزمة خانقة، مازالت بعض الأحزاب تجتر خطاب المنهجية الديمقراطية، لكن بمنطق “مولى نوبة” ليس إلا، إذ لم يجد خطاب العرش، الداعي إلى فتح المجال لأصحاب الخبرة، صدى في كواليس الحزب الحاكم، الذي بدأت تتسرب شروطه المسبقة بعدم التخلي عن أقرب حلفائه.
ولو كانت في الأحزاب كفاءات في مستوى المرحلة، التي وصفها الملك في خطاب أول أمس (الثلاثاء) لمناسبة الذكرى السادسة والستين لثورة الملك والشعب، لما تعثر تشكيل الحكومات وإجراء التعديلات الوزارية في زمن العدالة والتنمية، ولما تكاثرت الكبوات وتوقفت المشاريع وأطلقت عليها شبح الأزمة من كل الواجهات.
قد لا يملك أصحاب الخبرة في التدبير العمومي الدهاء السياسي أو الكاريزما، التي تؤثر على الرأي العام، لكن الأكيد أن حكومة الكفاءات لن تكون اختراعا مغربيا، فمع كم المشاكل التي تواجه حكومات الدول في بعض الأحيان من بطالة وتفشي الفساد وأزمات مالية خانقة، لم تجد المدارس السياسية عبر العالم بدا من اللجوء إلى أصحاب الاختصاص، في محاولة لحل المشاكل وضمان وحدة الدولة وإخراجها من الأزمات، التي تمر بها، وإن اختلفت التسميات، حكومة وحدة وطنية، أو حكومة تقنوقراط، أو حتى حكومة تصريف أعمال.
وقد سعت أكثر الدول ديمقراطية في مرحلة من تاريخها، إلى وضع تنصيب حكومات مختصة تنهض بالبلاد من أزمات ضاقت بها، من خلال تبني وتطبيق المناهج العلمية في حل المشاكل الاجتماعية المتعلقة برفاهية المواطنين، واختيار الأفراد الذين يمتازون بالمهارات التقنية والقيادية التخصصية والأداء الحسن، لدراسة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية واستخلاص قوانين ناجعة.
ستكون الأشهر المتبقية من عمر الحكومة الحالية آخر فرصة لتسريع إصلاحات اقتصادية تبشر بإنهاء سنوات الضياع، بشكل يفرض على حكومة ما بعد الدخول السياسي المقبل أقصى درجات الفعالية، علها تتمكن من حل معادلة تنزيل الأوراش الاجتماعية، دون الإخلال بمتطلبات الإصلاحات الهيكلية.
لن ينفع سلاح الخطابة ولا فن إبهار الحشود في فك تعقيدات المالية العمومية، بين إكراهات عجز الميزانية وارتفاع نسبة الدين، في مرحلة سيستحيل فيها على الدولة مواصلة سياسة الاقتراض دون إطلاق مسلسل إصلاحات حقيقية تعيد تقويم هيكلة آليات الاقتصاد الوطني، وتجاوز معيقات جلب الاستثمار، الذي تخاف رساميله دخول مناطق يتعكر فيها صفو مناخ الأعمال وتندحر في إداراتها الخدمات العمومية.
كل القطاعات الوزارية معنية بدخول جهاد الحكامة وجلب الاستثمار، إذ لن تركب الإدارة قطار السرعة والنجاعة، إلا مع وضع الوزارات في ميزان الكفاءة العالية والتصور العلمي والضبط العملي، وتأجيل موسم ريع الحقائب، إلى ما بعد انتخابات 2021.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق