بانوراما

كتب في حياة بوسلهام الضعيف … ليالي العصفورية

بوسلهام الضعيف…كتب في حياتي 2

راكم المسرحي بوسلهام الضعيف تجربة مسرحية ثرية وخصبة، وطنيا وعربيا، كما يساهم في التكوين والتأطير والتنظيم والبحث الأكاديمي، إلى جانب إبداعاته الغنية. اشتغل في الصحافة، خاصة في النقد الفني في مرحلة من مساره الغني. في هذه الزاوية (كتب في حياتي )، يقدم بوسلهام الضعيف لقارئ «الصباح» جزءا من تجاربه في القراءة بلغة سهلة وشفافة، تخاطب مجمل القراء…
شغلت الكاتبة مي زيادة الحياة الأدبية والثقافية. امرأة بتربية دينية منغلقة تتمرد على مجتمع ذكوري، نظمت صالونها الأدبي الشهير وكان ملتقى لأبرز الرموز الأدبية والفكرية في تلك المرحلة: أمين الريحاني وطه حسين وعباس محمود العقاد ولطفي السيد وأنطوان جميل وإسماعيل صبري وأحمد شوقي. أشعلت خصومات سرية وعلنية بينهم. امرأة بثقافة واسعة ومدارك لغوية متعددة، الفرنسية والإنجليزية والألمانية والإيطالية والإسبانية واليونانية والسريانية.
في رواية (ليالي إيزيس كوبيا ثلاثمئة ليلة وليلة في جحيم العصفورية) يشتغل الروائي واسيني الأعرج على مرحلة رهيبة وقاسية من حياة الأديبة مي زيادة.
بقدر ما أن (مي) كانت محاطة بالرجال والأضواء، ودعوات العشاق من الأدباء، بقدر ما كانت تعيش خراب الفقدان، فبعدما فقدت أخيها وأباها، كان موت جبران طعنة جبارة في حياتها، حب عن بعد، حب عبر الرسائل. لم يلتقيا ولو مرة في حياتهما، ولكنهما عاشا قصة حب عاصفة، خلدتها الرسائل المتبادلة بينهما طيلة عشرين سنة من سنة 1911 إلى سنة وفاة جبران 1931. حب أشعل غيرة العقاد وحنقه على جبران. وبموت جبران دخلت مي في انهيار عصبي مرير.
تم الاستيلاء على مالها وممتلكتها، وتم الحجر عليها وإيداعها العصفورية بدعوى أنها مجنونة. فالعصفورية هي أول مصحة للأمراض العقلية في لبنان. فرغت العصفورية اليوم من البشر وأصبحت جنة للطيور التي تجد، بين أشجار الصنوبر والمباني التاريخية ملاذا لها.
كتبت مي زيادة ديوانها الأول بالفرنسية (أزاهير حلم) باسم مستعار، هو (إيزيس كوبيا) وفي ليالي العصفورية، ثمة سارد، محقق، مثل تحر، يبحث عن مخطوط ضائع أو مسروق. ومن خلاله يستعير الكاتب شخصية الباحث، ليعيد تركيب حياتها وخلقها من جديد.
ولكي يقدم صورة أخرى عن المرأة الكاتبة :..مي كانت امرأة أخرى، من معدن نادر لا اسم له. أعطت كل مالديها، ولم تترك لنفسها شيئا. الكثيرون ممن قرؤوا رسائلها افترضوها امرأة لعوبا، لكني لست متفقا معهم ……مي كانت معشوقة من كل من تعرف إليها، في زمن كان من الصعب فيه العثور على امرأة ذكية ومثقفة وجميلة في الوقت نفسه. كانت تعرف جيدا أين تضع قدميها. وكانوا يعرفون جيدا حدودهم معها).
تكشف رواية واسيني عن وجود مخطوط، وهو فصول ما دونته (مي) أثناء وجودها بالعصفورية. في المخطوط تماهت (مي) مع شخصيات وجدت نفسها تقاسمها نفس المعاناة مثل كامي كلوديل الفنانة والنحاتة، أخت الكاتب بول كلوديل وزوجة النحات الفرنسي رودان. التي زج بها في مستشفى الأمراض العقلية وبقيت فيه، في عزلة تامة حتى وفاتها ذات أكتوبر من سنة 1943.
إنها رواية تتجاوز مجرد الحديث عن امرأة كاتبة ولكنها رواية عن جيل أسس لحداثة معطوبة «منذ البداية أدركت أن صراعي سيكون مع رجال شاخوا قبل أن يكتبوا. ولدوا مخربي (بفتح الراء) الأدمغة في غمار حداثة أكبر منهم لأنهم رفضوا كسر كل معوقاتهم الداخلية. كلهم بلا استثناء، صناع الحداثة، كلما تعلق الأمر بامرأة مزقت الشرنقة مقابل ثمن غال دفعته من أعصابها وراحتها، أخرجوا سكاكينهم. أزمة الحداثة العربية امرأة. هزيمة الخروج من التخلف، امرأة. حتى أسمائي المستعارة لم تنفعني للتخفي منهم. كانت رغبتي لا تحد، في نقد المجتمع الشرقي الذي يرى في الغرب كل شيء، أو يخاف منه، فيتحول إلى كائن متخلف يريد أن يحمي نفسه من وهم ينام في أعماقه».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق